الحلم بين مظفر النواب وابي نؤاس

كاظم حسن سعيد
2026 / 7 / 15

هذه المقطوعة الساحرة "تعال بحلم" نشرت ضمن ديوان "الريل وحمد" لمظفر النواب (الذي صدرت طبعته الأولى عام 1969). وتقع ضمن قصيدة غناها ياس خضر وحصدت شهرة واسعة منتصف السبعينيات وما يزال تأثيرها قائما :

​تعال بحلم.. أحسبها إلك جيّة واگولن جيت

يلعيناك فحل الگطه الگاطع چول

يلي شوفتك شبّاج للقاسم.. ودخول السنة من الگاك

يا فيّ النبع واطعم.. عطش صبّير ولا فرگاك

يلرهميت.. يا مفتاح فضة ولا رهم غيرك عليّ مفتاح

وأچوتلك مخدتي وانطر الشبّاج اليجيبك

وأنتَ عرس الليل والقدّاح.. يا هلبت تجي وترتاح..
​هذا الديوان (للريل وحمد) يُمثل الانعطافة الأبرز في تاريخ الشعر الشعبي العراقي.

قراءة ومقاربة نقدية بين مظفر النواب في "تعال بحلم" وأبي نواس في بيته الشهير:
​تَمَنّاهُ طَيفي في الكَرى فَتَغيبا.. وَقَبَّلَت يوما ظله فتعتبا

​ رغم التفاوت بين فضائين شعريين، ورغم الفارق الزمني والأسلوبي، إلا أن هناك خيطاً سيكولوجياً مشدوداً يربط بين المحبوبين عبر "بوابة الحلم"

𔁯. سيكولوجية الحلم وعناد المحبوب (الامتناع المزدوج)


​عند أبي نواس: يصل عناد المحبوب وقسوته إلى درجة "المثالية في التمنّع". المحبوب لا يرفض اللقاء في اليقظة فحسب، بل إن طيف الشاعر (الذي هو مجرد خيال) عندما تمنى رؤية المحبوب في المنام (الكرى)، عاتبه المحبوب وغضب! وحتى عندما قبّل الشاعر "ظل" هذا الطيف، أبدى المحبوب تغضباً او تعتبا. إنه تمنّع يتجاوز حدود الواقع ليدخل في عالم المجرّد، حيث يُحاكم المحبوب العشيق على نواياه في الحلم.

​عند مظفر النواب: نجد المحبوب قابعاً في خلفية من التمنّع المماثل، فالوقت "دولبه" والعمر "قضى" بانتظاره دون جدوى. لكن النواب هنا يقلب المعادلة السيكولوجية؛ بدلاً من أن يذهب طيف العشيق ليتمنى المحبوب فيعتب (كما عند أبي نواس)، يتوسل النواب إلى المحبوب قائلاً: "تعال بحلم.. أحسبها إلك جيّة واگولن جيت".
النواب هنا يطلب التنازل من المحبوب؛ إذا كنتَ ممتنعاً في اليقظة كأطياف أبي نواس، فتعال في المنام وسأقبل بهذه المخادعة النفسية وأعدّها "جية حقيقية".​

2. الفراش والوسادة كمسرح للاستعداد (أچوتلك مخدتي )


​أبو نواس يتحرك في مناخ عباسي كلاسيكي، يعتمد على اللفظة الرشيقة والمجرّدة (الكرى، الطيف، الظل)، الحلم عنده يحدث في فضاء ذهني خالص، والتماس يتم بين أطياف وظلال.

​مظفر النواب ينزل بالحلم إلى الفضاء الحسي والبيئي الملموس؛ لكي يتحقق هذا الحلم الذي يشبه حلم أبي نواس، لا بد من إعداد "مسرح مادي" في الواقع. هنا يأتي الربط مع "أچوتلك مخدتي"؛ فالشاعر يغسل وسادته بالنيلة (الجويت) ليجعلها ناصعة تليق بـ "زيارة الحلم". النواب يجهّز الفراش الواقعي لاستقبال الطيف الخيالي، في اندماج مذهل بين المادة والحلم.
​خلاصة المقاربة:

​كلا الشاعرين يعانيان من "محبوب قاصٍ" لا يُنال في اليقظة. لكن في حين كان أبو نواس يرصد بدقة وعجب قسوة محبوبه التي لاحقته حتى إلى خيالات المنام فعاتبته وغضبت، كان النواب يستجدي هذا الطيف ويُهيئ له المخدة ‏( المجوتة – لون من الصبغة تمنح القماش بريقا ‏) والشبّاج بلهفة عراقيّة جنوبية، مستعداً لأن يخدع وعيه بالكامل، ليتحول طيف المنام عنده إلى "دخول سنة" وعيد حقيقي يروي عطش الصبّير.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن