خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال الأخير.

حامد الضبياني
2026 / 7 / 14

الحروب لا تبدأ من فوهة المدفع، وإنما تبدأ عندما يعتقد رجلٌ يجلس فوق كرسي الحكم أن البحر يمكن أن يصبح خزينة، وأن المضيق الذي صنعته الطبيعة يمكن أن يتحول إلى دفتر ضرائب، وأن السفن العابرة تحمل في جوفها ثروةً يجوز اقتسامها بالقوة. ومنذ أن أصبح مضيق هرمز شرياناً يغذي الاقتصاد العالمي، لم يعد مجرد ممر مائي، بل تحول إلى عصبٍ تتقاطع عنده المصالح الدولية، وتتصادم فوق أمواجه مشاريع الإمبراطوريات القديمة بثيابها الجديدة، حتى بدا العالم وكأنه يقف فوق برميل نفط لا ينتظر إلا شرارة أخرى.دونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض بعقلية رجل الصفقات أكثر من عقلية الدبلوماسي، يدرك أن من يسيطر على أمن الملاحة في الخليج يمتلك ورقة ضغط هائلة على الاقتصاد العالمي، وأن إيران، التي بنت نفوذها الإقليمي على مدى عقود، لا يمكن مواجهتها بالتصريحات وحدها، بل بخنق مصادر قوتها الاقتصادية والسياسية.لذلك تبدو العقوبات، والوجود العسكري، والضغط البحري، حلقات في استراتيجية واحدة هدفها تقليص قدرة طهران على المناورة، ودفعها إلى خيارات أكثر صعوبة. لكن السؤال الذي يرفض التاريخ الإجابة عنه بسهولة هو: هل تستطيع القوة وحدها أن تهزم فكرةً رسخت نفسها في بنية دولة، أم أنها تمنحها أسباباً إضافية للبقاء؟.في المقابل، لا تنظر إيران إلى المواجهة بوصفها معركة حدود، بل بوصفها معركة نفوذ يمتد عبر شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة في المنطقة. ولهذا فإن أي ضغط عليها قد يدفعها إلى استخدام أوراقها في أكثر من ساحة، من الخليج إلى البحر الأحمر، حيث يكتسب باب المندب أهمية لا تقل عن أهمية هرمز، لأن العالم الذي يخاف على ناقلات النفط في الخليج، يخاف أيضاً على السفن التجارية التي تعبر البحر الأحمر نحو قناة السويس. وهكذا يصبح البحران مسرحاً واحداً، وتصبح السفينة التي تغادر الخليج قلقة حتى تصل إلى المتوسط.لكن هل يستطيع ترامب أن يجمع "خُمس" حركة التجارة العالمية كما كان الخُمس يُجمع في عصور الغلبة؟ يبدو السؤال رمزياً أكثر منه اقتصادياً. فالقوة تستطيع أن تفرض رسوماً أو ترتيبات أمنية أو ضغوطاً سياسية، لكنها لا تستطيع امتلاك البحر نفسه، لأن البحر لا يخضع لمالك دائم، والجغرافيا تعاقب كل من يظن أنه احتكرها. كل إمبراطورية مرت من هنا اعتقدت أن المضائق أصبحت إرثاً لها، ثم اكتشفت أن الأمواج لا تحفظ أسماء المنتصرين طويلاً.وهل بدأت نهاية النظام الإيراني؟ لا أحد يملك يقيناً كهذا. فالأنظمة لا تسقط دائماً بالقصف، ولا بالعقوبات وحدها، كما أنها لا تبقى إلى الأبد بقوة السلاح. مصيرها يتحدد بتفاعل عوامل داخلية وخارجية، اقتصادية واجتماعية وسياسية، وقد أثبت التاريخ أن الضغوط قد تُضعف دولة، لكنها قد تدفعها أيضاً إلى مزيد من التماسك في مواجهة خصم خارجي. لذلك فإن الحديث عن ساعة النهاية يبقى أقرب إلى التوقع منه إلى الحقيقة.أما الحديث عن ستين يوماً تعيد تشكيل الشرق الأوسط، فهو يعكس حجم التوتر أكثر مما يعكس حتمية النتائج. فالشرق الأوسط اعتاد أن يُولد من جديد بعد كل حرب، لكنه يخرج مثقلاً بالمقابر أكثر من امتلائه بالوعود. الخرائط قد تتبدل، والتحالفات قد تتغير، وموازين القوى قد تميل، لكن الإنسان في هذه الأرض يبقى أول من يدفع الثمن وآخر من يُسأل عن رأيه.ويبقى السؤال الأخلاقي أكثر قسوة من السؤال العسكري: هل الكرسي يستحق أن تتحول أمة كاملة إلى أنقاض؟ كم مدينة يجب أن تُمحى كي يقال إن هذا الحاكم انتصر أو ذاك الزعيم صمد؟ وهل يستحق مشروع إقليمي، مهما كانت شعاراته، أن يجعل من أوطان الآخرين ساحات نفوذ وصراع؟ لقد دفعت دول المنطقة أثماناً باهظة من سيادتها واستقرارها، وتحولت مدن كثيرة إلى مسارح لحروب الوكالة، بينما بقي المواطن العربي يراقب الخراب وهو يتنقل من لجوء إلى آخر، ومن أزمة إلى أخرى.
الأذرع التي صنعتها السياسات الإقليمية منحت أصحابها نفوذاً، لكنها في الوقت نفسه أدخلت دولاً عربية في دوامات من الانقسام والصراع، وجعلت قرار الحرب والسلم في كثير من الأحيان رهينة حسابات تتجاوز حدود تلك الدول. وفي المقابل، فإن الرهان على القوة العسكرية وحدها لإعادة رسم المنطقة قد يحمل مخاطر لا تقل عن مخاطر تمدد النفوذ الإقليمي، لأن النار إذا اشتعلت على امتداد الخليج والبحر الأحمر فلن تميز بين سفينة تحمل نفطاً، أو أخرى تحمل قمحاً، ولن تسأل عن جنسية من يدفع الثمن.التاريخ يقف اليوم شاهداً صامتاً، يراقب قادة يتحدثون عن النصر، بينما المدن تتحدث عن المقابر، والأسواق تتحدث عن الخوف، والأمهات يتحدثن عن الأبناء الذين غابت أسماؤهم في نشرات الأخبار. وما أكثر الذين قرأوا تاريخ الإمبراطوريات، وما أقل الذين اتعظوا به. كل قوة ظنت أنها امتلكت البحر اكتشفت في النهاية أن البحر لم يكن إلا امتحاناً لكبريائها، وكل نظام اعتقد أنه خالد اكتشف أن الزمن لا يمنح الخلود لأحد.وربما لن يكون السؤال الحقيقي: هل انتصر ترامب أم صمدت إيران؟ بل سيكون السؤال الذي سيكتبه المؤرخ بعد سنوات: كم وطناً خسر الشرق الأوسط قبل أن يدرك الجميع أن الكرسي، مهما ارتفع، لا يساوي حجراً من بيت هدمته الحرب، ولا دمعة أم انتظرت ابنها فعاد إليها اسماً على شاهد قبر.