|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 7 / 13
ليست قيمة الشاعر في ما يتركه من قصائد، وإنما في نوع الأسئلة التي يتركها معلقة في ضمير عصره. فهناك من يكتب لأن اللغة هوايته، وهناك من يكتب لأن الصمت خيانة. وكان عبد المجيد بنخالي، أو "ابن الأثير عبده"، من الصنف الثاني؛ أولئك الذين لم ينظروا إلى الزجل باعتباره فنا للفرجة أو لعبة لغوية، بل باعتباره شكلا من أشكال الوعي الشعبي، ووسيلة لمساءلة واقع يزداد قسوة كلما ادعى أنه أكثر حداثة.
يقول في واحدة من أكثر ومضاته كثافة:
«"حيث لبسنا حق
ولينا عيفة الناس
ولحال تمسخ
دارونا مكيال
يكيلو فيه الوسخ."»
في هذا المقطع لا يتحدث الشاعر عن مظلومية فردية، بل عن انقلاب تاريخي في منظومة القيم. فالحق لم يعد يمنح صاحبه مكانة أخلاقية، بل صار سببا للعزلة والإقصاء. إنها لحظة يصبح فيها الدفاع عن الكرامة سلوكا شاذا، بينما يتحول التكيف مع الرداءة إلى شرط غير معلن للاندماج داخل مجتمع فقد بوصلته الأخلاقية.
إن أخطر ما في هذا النص أنه لا يرثي الضحية، بل يكشف الآليات التي تنتجها. فعبارة "ولحال تمسخ" ليست وصفا لحالة نفسية، وإنما تشخيص لمسار اجتماعي طويل، تتآكل فيه المعاني، وتتبدل المقاييس، حتى يغدو القبح مألوفا، ويصبح الفساد جزءا من النظام الطبيعي للأشياء. عندها لا يعود الإنسان يقاس بما يحمله من قيم، وإنما بمدى قدرته على التكيف مع الخراب.
ومن هنا تأتي الصورة الأخيرة: "دارونا مكيال يكيلو فيه الوسخ." إنها ليست استعارة شعرية فحسب، بل نقد لميزان اجتماعي مختل، لم يعد يزن النزاهة ولا المعرفة ولا الوفاء، وإنما يقيس قابلية الإنسان للانحناء أمام القوة والمصلحة. إنها صورة تختزل أزمة مجتمع بأكمله، أكثر مما تختزل تجربة فرد.
لهذا ظل عبد المجيد بنخالي قريبا من الناس. لم يكن مثقفا يتحدث من برج عاجي، بل كان جزءا من الحياة اليومية، من المقاهي والساحات والمسارح، ومن ذاكرة مدينة آسفي التي كانت حاضرة في كتاباته باعتبارها فضاء للإنسان البسيط، لا مجرد مكان جغرافي. كان يدرك أن الثقافة لا تقاس بعدد الكتب، بل بقدرتها على الدفاع عن المعنى في زمن تتسارع فيه عمليات تفريغ الكلمات من مضامينها.
واليوم، ونحن نستعيد اسمه، لا ينبغي أن يكون ذلك من باب الحنين وحده، لأن الحنين، مهما كان نبيلا، لا يصنع ذاكرة حية. الوفاء الحقيقي هو أن نعيد قراءة تجربته باعتبارها جزءا من تاريخ الثقافة الشعبية المغربية، وأن ندرك أن الزجل، حين يمتلك عمقا فكريا وحسًا إنسانيا، يصبح وثيقة اجتماعية لا تقل أهمية عن الدراسات الأكاديمية.
لقد رحل عبد المجيد بنخالي، لكن السؤال الذي حمله في كلماته ما يزال قائما: كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على إنسانيته إذا أصبح الحق تهمة، وأصبح "الوسخ" هو المعيار الذي توزن به الأشياء؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل الشاعر حيا بعد رحيله، ويجعل الكلمة الصادقة أطول عمرا من أصحابها.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |