9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمتاً

حسين سالم مرجين
2026 / 7 / 12

لا يهدف فتح الكتابة في أحداث 9 يوليو 1996 إلى إثارة الأحقاد، بل يسعى إلى إرساء قيم الحقيقة والعدالة والمصالحة الوطنية. ومن منظور علم الاجتماع، يُعد كشف الحقائق خطوة مركزية في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا، لأن المجتمع لا ينجح في تجاوز النزاعات عندما تبقى الوقائع مطموسة أو مشوّهة. حيث إن مواجهة الذاكرة الجريحة ليست فعلًا رمزيًا فحسب، بل عملية اجتماعية لإعادة بناء المعنى والتاريخ؛ إذ تتحول الأزمات التاريخية، عند توثيقها ومساءلتها، إلى دروس تُحصّن مستقبل الوطن.
شهد ذلك اليوم سقوط نحو 60 مشجعاً برصاص الغدر، خلال مباراة كرة قدم جمعت بين فريقي الاتحاد والأهلي طرابلس، وكان من بين الضحايا قريباً لأحد جيراننا. وتُحكى القصة المريرة كما يلي: اشترطت الأجهزة الأمنية على والد الضحية المكلوم التوقيع على ورقة تُفيد بأن سبب الوفاة هو مجرد مشاجرة وتدافع داخل الملعب، وذلك بوصفه شرطًا لتسليمهم الجثمان. وتحت وطأة القهر والصدمة، اضطر الأب إلى التوقيع مجبرًا، ثم أُمرت العائلة بدفن ابنها بسرعة ودون أي إبطاء. عقب ذلك، فُرض تعتيم كامل على الحدث، فلم يجرؤ أحد على تناوله أو الحديث عنه، رغم الآلام العميقة التي خلقتها تلك الفاجعة في نفوس الناس. ويمكن قراءة هذا الصمت المفروض بوصفه آلية لضبط الذاكرة الجماعية ومنع تحول الواقعة إلى سردية حقوقية وقانونية. وقد حاول النظام السابق الهروب من المسؤولية الجنائية والتاريخية، غير أن تلك الحادثة والمشاهد الدموية لا تزال تشكل ثقبًا أسود في الذاكرة الجمعية الليبية، وهو ثقب لا يزول تلقائيًا مع مرور الزمن، بل يحتاج إلى حقيقة موثقة وعدالة معلنة.
اليوم، وبعد مرور ثلاثين عامًا على تلك المأساة، لا تزال الثقوب السوداء تطفو على السطح، بما يؤكد أن القضية لم ولن تنتهِ بتلك الورقات القسرية أو التوقيعات المجبرة.
حتى بعد سقوط النظام السياسي السابق وغياب شخوصه، ما تزال الحاجة ملحّة لمعرفة التفاصيل كاملة: ماذا حدث؟ ولماذا وقعت تلك الوقائع الدموية؟ وكيف تم تهيئة الظروف التي أدت إلى استهداف أولئك الشباب؟ وهل كانت الأحداث امتدادًا لِسياقات عفوية، أم أنها نفذت ضمن ترتيبات أو تعليمات محسوبة؟
تثير هذه الذاكرة الجريحة جملة من التساؤلات المشروعة التي تنتظر إجابات حقيقية، كانت ينبغي أن تُقال بصيغة واضحة وقابلة للتحقق من رأس السلطة في حينه. ومما لا شك فيه وبدون مبالغة أن منطق السلطة المطلقة آنذاك يجعل مسألة المسؤولية القانونية والتاريخية مرتبطة بصاحب القرار الأعلى. وبحكم إمساكه المنفرد بزمام الحكم، يبقى القذافي وفق ما تثيره الوقائع وتستدعيه ضرورة الحقيقة مُساءَلًا عن الدماء التي سُفكت، وعن الطريقة التي أُديرت بها الأحداث وتم ضبط سرديتها وتعتيماً على تفاصيلها.
بناءً على ذلك، لا نملك اليوم من وثائق ملموسة سوى شهادات من عاصروا تلك المجزرة؛ سواء من كانوا داخل الملعب أو خارجه. ولا نقصد هنا المشجعين وحسب، بل أفراد المجتمع كافة الذين عاشوا تلك الحقبة وتشرّبوا آثارها. لقد فرضت القبضة الأمنية الصارمة صمتًا قسريًا، فبقيت البنادق هي الصوت الأوضح، في حين استسلم الأهالي من هول الفاجعة لذروة من الذهول، وتسلّموا جثامين أبنائهم دون قدرة على الرد إلا بالصمت والكمد.
إن هذا المقال دعوةٌ صريحة لفتح ذلك الجرح الذي ما زال ينزف في الخفاء، وتأكيد على أن المسؤولية لا تسقط بالتقادم، وأنها لا بد أن تطال كل من تورّط في تلك الجريمة. وكما أشرنا في مقالات سابقة، فإن إرساء مصالحة وطنية حقيقية لا يمر عبر دفن الذاكرة المثخنة بالآلام، ولا عبر فرض تصالح قسري يختزل وجع الضحايا. بل إن الاعتراف بالجرائم هو اللبنة الأولى، والمدخل الصحيح لأي مصالحة، والأساس المتين لبناء مؤسسات دولة قادرة على حماية الحقيقة وترسيخ العدالة.
وعلى تلك الجراح القديمة، تراكمت جراح أخرى في مرحلة ما بعد عام 2011. وأجزم أن بعضها يفوق في بشاعته ما حدث صيف 1996، على الرغم من أن هذه الأحداث ما تزال حية في ذاكرتنا الجريحة وتستوجب تسليط الضوء عليها، حتى لا تتحول إلى ثقوب سوداء تُطمس فيها الحقيقة. فالأوطان لا تُبنى على إنكار الجراح، بل تنهض على قاعدة المكاشفة والمصارحة والعدالة والقصاص.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن