الفصل الثامن الدولة الامويةومعاوية في كتاب النصولي

عصام حافظ الزند
2026 / 7 / 12

(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
تكملة الدولة الاموية وما بعده في كتاب النصولي
نَبْدَأُ مِنْ مُقَدِّمَةِ هٰذا الكِتابِ حَيْثُ يَذْكُرُ النُصُولِيُّ أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى تَقْسِيمِ الفُصُولِ لَيْسَ إِلَى تَتابُعِ السِنِينَ، أَوْ إِلَى المُلُوكِ أَوْ الحَوادِثِ أَوْ الفِتَنِ وَالحُرُوبِ، وَلَمْ يَهْتَمَّ بِجَمْعِ الحَقائِقِ حَوْلَها، بَلْ رَتَّبَهُ حَسَبَ ما يَعْتَقِدُ أَنَّها صُورَةٌ حَيَّةٌ لِلمَبادِئِ وَالأَفْكارِ وَالأَعْمالِ الَّتِي قامَ بِها الأُمَوِيُّونَ فِي العَصْرِ الَّذِي سادُوا فِيهِ.
إِنَّنا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ اِخْتارَ هٰذا الأُسْلُوبَ لِيَتَجَنَّبَ الكَثِيرَ مِن المَعْلُوماتِ وَالآراءِ التارِيخِيَّةِ "الصَفَحاتُ الحالِكَةُ السَوادُ " فِي سِيرَةِ بَنِي أُمِّيَّةَ وَجُذُورِ صِراعِهِم مَعَ بَنِي هاشِم وَمِنْ ثَمَّةِ مُحَمَّدٍ وَالإِسْلامِ، (سَبَقَ أَنْ أَشَرْنا إِلَى بَعْضِ جَوانِبِ الصِراعِ وَيُرْجَى العَوْدَةَ لِلمَقْرِيزِيِّ). مَهْما قِيلَ وَيُقالُ فَلا يُمْكِنُ نُكْرانُ أَنَّ بَنِي أُمِّيَّةَ وَرَئِيسَهُمْ أَبُو سُفْيان "والِدُ مُعاوِيَةَ" وَعائِلَتَهُ بِالخُصُوصِ وَرِثُوا ذٰلِكَ الصِراعَ، وَكانُوا رَأْسَ الحَرْبَةِ فِي الحَرْبِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالإِسْلامِ، وَلَمْ يَسْلَمُوا (بِاِسْتِثْناءِ عَدَدٍ مَحْدُودٍ جِدّاً مِنْ الأُمْوِينِ مِثْلَ عُثْمانَ) إِلّا بَعْدَ الفَتْحِ وَأَكْثَرِ المَصادِرِ تَعْتَرِفُ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوا مُكْرَهِينَ وَلَيْسَ حُبّاً بِالعَقِيدَةِ أَوْ الدِينِ الجَدِيدِ أَسْلَمُوا إِسْلامَ المَهْزُومِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ أَمامَهُ غَيْرُ ذٰلِكَ الاِدِّعاءِ وَلِذا سَمّاهُمْ النَبِيُّ مُحَمَّدٌ "الطُلَقاءُ" أَيْ أَنَّهُ أَطْلَقَ سِراحهُمْ مِنْ الأُسَرِ وَالاِسْتِعْبادِ أَوْ حَتَّى المَوْتِ وَحَتَّى العَقّادِ لَمْ يَكُنْ عَلَى صَوابٍ فِي تَقْيِيمِ أَنَّ ذٰلِكَ لا يَعْنِي شَيْئاً "فَرُبَّما المُسْلِمُ المُتَأَخِّرُ يَكُونُ خَيْراً مِنْ مُسْلِمِينَ أَوائِلَ". إِنَّنا نَعْتَقِدُ أَنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ سَلِيمٍ، بَلْ ذٰلِكَ يَعْنِي الكَثِيرَ فَمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وَعانَى مَعانِيَ مِنْ جُوعٍ وَحِصارٍ وَرُبَّما عَذابٍ وَمَخاطِرَ وَمَنْ شارَكَ مُحَمَّدٌ فِي غَزَواتِهِ الأُولَى وَحُرُوبِهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِنَفْسِ مَنْزِلَةِ مَنْ حارَبَ المُسْلِمِينَ وَأَلِبَّ عَلَيْهِمْ وَأَسْلَمَ يَوْمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِياراً آخَرُ ، وَلِعُمْرِ حَدِيثٍ فِي ذٰلِكَ إِلَى عُثْمانَ ذَكَرْناهُ فِي مَكانٍ آخَرَ، وَكُلُّ الأَحادِيثِ الَّتِي تَقُولُ غَيْرَ ذٰلِكَ هِيَ مِنْ الأَحادِيثِ المَوْضُوعَةِ كَما فِي الحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ [حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى العَنْزِيُّ وَأَبُو مَعَنٍ الرَقاشِيُّ وَإِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عاصِمٍ (وَاللَفْظُ لِاِبْنِ المُثَنَّى) حَدَّثْنا الضِحاكَ (يَعْنِي أَبا عاصِمٍ) قالَ: أَخْبَرَنا حَيْوَةَ بْنُ شُرَيْحٍ، قالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ اِبْنِ شَمّاسٍ المَهْرِيِّ، قالَ: حَضَرَنا عُمَرُ بْنُ العاصِ وَهُوَ فِي سِياقَةِ المَوْتِ فَبَكَى طَوِيلاً وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الجِدارِ، فَجَعَلَ اِبْنَهُ يَقُولُ: يا أَبَتاهُ أَمّا بِشَرْكِ رَسُولِ اللّٰهِ بِكَذا؟ أَمّا بَشَرْكِ رَسُولِ اللّٰهِ بِكَذا؟ قالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقالَ: إِنَّ أَفْضَلَ ما نَعُدُّ شَهادَةَ أَنْ لا إِلّا اللّٰهَ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللّٰهِ، أَنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْباقِ ثَلاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتَنِي وَما أَحَدُ أَشَدَّ بُغْضاً لِرَسُولِ اللّٰهِﷺ مِنِّي، وَلا أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدْ اِسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الحالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النارِ، فَلَمّا جَعَلَ اللّٰهُ الإِسْلامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ : اِبْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ قالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قالَ: "مالِكٌ يا عَمْرُو؟" قالَ: قُلْتُ أُرِيدُ أَنْ اِشْتَرَطَ، قالَ: "تَشْتَرَطُ بِماذا؟" قُلْتُ: أَنْ يَغْفَرَ لِي قالَ:" أَما عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلامَ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَها وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ ما كانَ قَبْلَهُ"....] (صَحِيحٌ مُسْلِمٌ كِتابُ الإِيمانِ 54 بابَ كَوْنِ الإِسْلامِ يَهْدِمُ ما قَبْلَهُ؛ وَكَذٰلِكَ الهَجْرُ وَالحَجُّ 231/192 /12 ص 63)
نَعْتَقِدُ أَنَّ عَلَى الأَقَلِّ أَنَّ آخَرَ اِثْنَيْنِ مِنْ الَّذِينَ أَسْنَدَ إِلَيْهِمْ الحَدِيثُ وَهُمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَاِبْنُ شَمّاسِ المَهْرِي هُمْ مِنْ تابِعِي الأُمَوِيِّينَ وَتَوَلَّوْا المَناصِبَ فِي مِصْرَ بَلْ وَفِي ظِلِّ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وَحَبِيبٍ الأَزْدِي يُوصَفُ مِنْ صِغارِ التابِعِينَ وَكانَ مُفْتِياً فِي مِصْرَ وَعاشَ حَياتَهُ كُلَّها فِي ظِلِّ الأُمَوِيِّينَ. أَمّا المَهْرِيُّ فَقَدْ عاشَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ فِي ظِلِّ الأُمَوِيِّينَ، لِذا فَإِنَّنا نَعْتَقِدُ أَنَّ هٰذا الحَدِيثَ مَوْضُوعٌ، فَإِنَّ العادِلَ لا يُساوِي بَيْنَ هٰذا، وَذاكَ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي آخِرِ أَيّامِهِ.
عَدا ذٰلِكَ فَقَدْ تَجَنَّبَ النُصُولِيُّ الكَثِيرَ مِنْ الأَحادِيثِ الَّتِي اِكَدَ عَلَيْها نَفْسُ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَماعَةِ، فَمِن شُيُوعِ الحَدِيثِ عَن "عَمّار تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ "وَنُورِدُ هُنا تَأْكِيدَهُ فِي البُخارِيِّ [حَدَّثْنا مُسَدَّدٌ قالَ حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بِنُ مُخْتار قالَ حَدَّثَنا خالِد الحِذاءَ عَن........... فَقالَ: كُنّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمّارٌ لِبِنْتَيْنِ لِبِنَتَيْنِ فَرَآهُ النَبِيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُرابَ عَنْهُ وَيَقُولُ:" وَيْحُ عَمّارٌ تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النارِ "] ( صَحِيحُ البُخارِيِّ كِتّابُ الصَلاةِ 63 بابُ التَعاوُنِ فِي بِناءِ مَسْجِدِ 447 ص 94 ) وَلٰكِنْ هُناكَ الكَثِيرُ مِن الأَحادِيثِ الأُخْرَى مِنْها مَثَلاً " قاتِلُ عَمّارٌ وَسالِبُهُ فِي النارِ" (كُتّابُ الطَبَقاتِ الكَبِيرَةُ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَعْد بِنِ مَنِيعٍ الزُهْرِي الجُزْءُ الثالِثُ الطَبَقَةُ الأُولَى فِي البَدْرَيْنِ مِن المُهاجِرِينَ وَالأَنْصارِ تَحْقِيقُ الدُكْتُورِ عَلِي مُحَمَّد عُمَر الناشِر مَكْتَبَةُ الخانْجِي بِالقاهِرَةِ ص 241 وَعَداً ذٰلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ الأَحادِيثِ عَن عَمّارَ وَحَياتِهِ ما بَيْنَ 227-244)وَقَدْ أَشَرْنا إِلَى مَكانَةِ عَمّارَ فِي الإِسْلامِ، وَالَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ العَدِيدُ مِنْ الآياتِ. عِلْماً عَلَى أَهَمِّيَّةِ طَبَقاتِ اِبْنِ سَعْد وَعَلَى غِناها وَتَعَدُّدِها وَشُمُولِها لَمْ يَذْكُرْها، وَلَمْ يَعْتَمِدْها المُؤَلِّفُ النُصُولِيُّ؛ لِأَنَّها عَلَى ما يَبْدُو لا تَتَّفِقُ مَعَ ما يُرِيدُ سَماعَهُ. عِلْماً أَنَّ الطَبَقاتِ شَمِلَت 4725 اِسْماً مِن المُسْلِمِينَ وَهِيَ عَلَى اِعْتِقادِنا أَوْسَعَ مَجْمُوعَةٍ عَنْ حَياةِ المُسْلِمِينَ الأَوائِلِ وَالتابِعِينَ. وَهُناكَ أَحادِيثُ أُخْرَى عَنَّتْ مُعاوِيَةَ حَسَبَ المُفَسِّرِينَ مِنْها حَدِيثٌ " أُمَرْتُ بِقِتالِ الناكِثِينَ وَالقاسِطِينَ وَالمارِقِينَ، وَحَدِيثٍ آخَرُ مُهِمٌّ " أَوَّلُ مَنْ يُبَدِّلُ سَنَتَيْ رَجُلٍ مِن بَنِي أُمِّيَّةَ " رَواهُ أَبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ وَثَبَّتَهُ صاحِبُ (البِدايَةِ وَالنِهايَةِ8/234)وَرَوَتْهُ عِدَّةُ مَصادِرَ أُخْرَى وَحَدِيثِ "الخِلافَةِ ثَلاثُونَ عاماً، ثُمَّ يَكُونُ المَلِكُ العُضُوضُ" بَلْ وَأَنَّ بَعْضَ الأَخْبارِ تَتَحَدَّثُ عَنْ حَدِيثٍ " يَمُوتُ مُعاوِيَةَ عَلَى غَيْرِ مِلَّتِي" وَحَدِيثِ "مُعاوِيَةِ فِرْعَوْنِ هٰذِهِ الأُمَّةَ". وَهُناكَ عَدَدٌ آخَرُ مِنْ الأَحادِيثِ، رَغْمَ أَنَّنا نَعْتَقِدُ أَنَّ الكَثِيرَ مِنْ هٰذِهِ الأَحادِيثِ مَوْضُوعَةٌ أَوْ مُشَوَّهَةٌ أَوْ ذاتُ أَسانِيدَ ضَعِيفَةٍ هِيَ الأُخْرَى أَوْ مُبالَغٌ فِيها فَكَما قامَ الأُمَوِيُّونَ بِضَخِّ الكَثِيرِ مِنْ الأَحادِيثِ الَّتِي يَرَوْنَ صَلاحَها لَهُمْ، فَإِنَّ المَجْمُوعاتِ المُناوِئَةَ وَضَعَتْ العَدِيدَ مِنْ الأَحادِيثِ الَّتِي تُشَوِّهُ بَنِي أُمِّيَّةَ وَمُعاوِيَةَ، وَلٰكِنَّنا أَوْرَدْنا بَعْضُها لِلدَلالَةِ عَلَى مِثْلِ هٰذِهِ الأَحادِيثِ فِي الأَخْبارِ التارِيخِيَّةِ.
بِصَدَدِ مُعاوِيَةَ فَإِنَّ النُصُولِيَّ يَبْدَأُ حَدِيثَهُ بِالطَرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ المَعْرُوفَةِ فِي المَدِيحِ وَالتَعْظِيمِ فِي البِدايَةِ وَبَيْنَ الكَلِماتِ فَيَقُولُ فِي الفِقْرَةِ الأُولَى تَحْتَ عُنْوانِ حَياةُ مُعاوِيَةَ" الرِجالُ ذُو الشَخْصِيّاتِ الكَبِيرَةِ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى هٰذا العالَمِ قَلِيلٌ، غَيْرَ أَنَّ أَنْوارَهُمْ وَضاءَةٌ فَيَظَلُّونَ مَناراً يَهْتَدَى بِهِ، وَباعِثاً قَوِيّاً يَدْفَعُ أَبْناءَ الأَجْيالِ المُقْبِلَةِ ...إِلَى آخِرِهِ مِنْ المَدِيحِ. وَلٰكِنَّهُ عِنْدَما يَبْدَأُ بِسِيرَةٍ مُعاوِيَةَ يَقْفِزُ عَلَى كُلِّ التارِيخِ " وُلِدَ مُعاوِيَةَ فِي مَكَّةَ ، وَتَهَذَّبَ عَلَى أَبِيهِ أَبِي سُفْيانَ الزَعِيمِ الكَبِيرِ فِي الجاهِلِيَّةِ ، ثُمَّ أَصْبَحَ كاتِباً لِلوَحْيِ ﷺ وَحازَ عَلَى ثِقَتِهِ لِطُمُوحِهِ وَذَكائِهِ وَخَصَّبَ آمالَهُ..." كَأَنَّهُ هُنا يُقَلِّدُ المَسِيحَ فِي وَصْفِهِ لِمُعاوِيَةِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِي المَهْدِ{ وَيُكَلِّمُ الناسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلاً وَمِن الصالِحِينَ(46)} (89/3سُورَةَ آلِ عُمْرانَ عَدَدُ الآياتِ 200 هِجْرِيَّةِ الآيَةِ 46) هٰكَذا إِذَنْ يَتَغاضَى عَن ما لا يَقِلُّ عَن ثَلاثَةٍ وَعِشْرِينَ عاماً مِن عُمْرِ مُعاوِيَةَ، فَقَدْ وُلِدَ قَبْلَ الدَعْوَةِ بِثَلاثِ أَوْ خَمْسِ سَنَواتٍ بَلْ وَقِيلَ سَبْعَ سَنَواتٍ وَهٰذا يَعْنِي أَنَّ عُمْرَهُ عِنْدَما هاجَرَ النَبِيُّ 15 عاماً فِي الأَقَلِّ وَالإِنْسانِ فِي هٰذا العُمْرِ وَخاصَّةً فِي الجَزِيرَةِ يَتَزَوَّجُ وَيُشارِكُ فِي المَعارِكِ وَيَعِي أَخاهُ الَّذِي قُتِلَ فِي بَدْرٍ وَ كانَ عُمْرَةَ 18 عاماً أَوْ أَكْثَرَ عِنْدَما مَضَغَتْ أُمُّهُ هِنْد كَبِدَ حَمْزَه وَلَقَّبَتْ " آكِلَةُ الأَكْبادِ" وَرَبّاهُ أَبُوهُ عَلَى كُرْهِ مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ حَتَّى عَمَّتِهِ أُخْتُ أَبِيهِ أَرْوَى بِنْتِ حَرْبٍ أُمٍّ جَمِيلٍ زَوْجَةِ أَبِي لَهَبٍ ذُكِرَتْ فِي القُرْآنِ "حَمّالَةُ الحَطَبِ" فَقَدْ كانَتْ تَضَعُ الأَشْواكَ فِي طَرِيقِ النَبِيِّ، وَرُبَّما شارَكَها فِي حَمْلِ الحَطَبِ وَهُوَ صَبِيٌّ، بَلْ أَنَّ اِسْمَهُ يُورِدُ فِي عِدادِ المُقاتِلِينَ فِي تِلْكَ الغَزَواتِ وَخاصَّةً غَزْوَةَ الخَنْدَقِ فَهُوَ، وَفِيٌّ لِتِلْكَ التَرْبِيَةِ فِي تِلْكَ العائِلَةِ الأُمَوِيَّةِ، مُعْظَمُ الأَخْبارِ التارِيخِيَّةِ وَمِنْها السِيرَةُ الحَلَبِيَّةُ ( الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَكُونَ الأَقْرَبَ إِلَى النُصُولِيِّ)، تَذْكَرُ مَشْهَداً أَشَرْنا إِلَيْهِ عِنْدَ عَوْدَةِ أَبِيهِ مِنْ المَدِينَةِ خائِباً، وَكانَ ذٰلِكَ عَشِيَّةَ الفَتْحِ فَكَمْ مِنْ الحِقْدِ يَغْلُوا فِي صَدْرِ هٰذِهِ العائِلَةِ الَّتِي تَحَوَّلَتْ بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضَحّاها إِلَى عائِلَةِ صِحابِهِ، أَلَيْسَ هٰذا اِسْتِهانَةً بِالإِسْلامِ وَقِيَمِهِ . لِماذا تَجاهَلَ النُصُولِيُّ كُلَّ ذٰلِكَ التارِيخِ وَمَنْ يَمْلِكُ كُلَّ تِلْكَ التَرْبِيَةِ هَلْ لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الشَخْصِيّاتِ الكَبِيرَةِ فِي الإِسْلامِ. أَمّا مَسْأَلَةُ أَنَّهُ كُتُبَ الوَحْيَ، فَبُوُدُّنا أَنْ نُؤَكِّدَ هُنا أَنَّ النَبِيَّ أَذْكَى مَنْ يُكَلِّفُهُ بِكِتابَةِ الوَحْيِ، وَكانَ يُعَدُّ كَما أَشَرْنا مِنْ "الطُلَقاءِ "بَعْدَ العَفْوِ عَنْهُمْ تَمَيُّزاً عَنْ بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ، (كانَ هُناكَ أَرْبَعَةٌ وَاِمْرَأَتَيْنِ لَمْ يَعْفُوا عَنْهُمْ قالَ: أَقْتُلُوهُمْ وَلَوْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتارِ الكَعْبَةِ) بَلْ إِنَّ مِنْ بَيْنِ الأَرْبَعَةِ الَّذِينَ أَمَرَ النَبِيُّ بِقَتْلِهِمْ كانَ عَبْدُ اللّٰهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرَحٍ، وَقِيلَ أَنَّهُ كانَ مِنْ كِتابِ الوَحْيِ، وَهٰكَذا نَرَى أَنَّ كِتابَةَ الوَحْيِ لا تَمْنَحُ أَيَّ حَصانَةٍ أَوْ تَمْيِيزٍ ثُمَّ وَهَلَ الرَسُولُ بِحاجَةٍ لِهٰؤُلاءِ، وَحَوْلَهُ الكَثِيرُ كَما قُلْنا مِنْ المُسْلِمِينَ الأَوائِلِ المُتَعَلِّمِينَ لِعِشْرِينَ عاماً خَلَتْ ، وَأَسْبابٌ أُخْرَى ذَكَرْناها سابِقاً أَنَّ هٰذِهِ المَعْلُومَةَ مِنْ صُنْعِ الأُمَوِيِّينَ أَنْفُسِهِمْ، وَإِذا كانَ مُعاوِيَةُ بِهٰذِهِ الأَهَمِّيَّةِ لِماذا لَمْ يُكَلِّفْهُ الرَسُولُ بِأَمْرٍ مُهِمٍّ، فِي حِينِ وَرَدَتْ عَشَراتُ الأَسْماءِ مِمَّنْ كَلَّفُوا بِمَهامَّ مُخْتَلِفَةٍ فِي تِلْكَ السَنَواتِ، وَلا نُرِيدُ هُنا أَنْ نَنْقُلَ ما ذَكَرْتُهُ الأَخْبارُ حِينَ شارَكَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، وَيَقُولُ الدكتورُ عَدْنان إِبْراهِيم فِي مَقالِهِ "لَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مُعاوِيَةَ كانَ كاتِباً لِلوَحْيِ هِيَ إِحْدَى كُبْرَياتِ الأَكاذِيبِ وَالَّتِي خالَها مُعْظَمُ المُسْلِمِينَ حَقِيقَةً مِنْ كَثْرَةِ التَكْرارِ وَكَما قِيلَ أَكْذَبُ أَكْذَبَ، وَأَكْذَبُ حَتَّى يُصَدِّقَكَ الناسُ فَلَيْسَ فِي أَيْدِينا أَيُّ نَصٍّ يُشِيرُ إِلَى ذٰلِكَ أَوْ قَوْلٌ قالَهُ الرَسُولُ" (مَقالٌ فِي الانترنيت لِلدكتورِ عَدَ نَأَن إِبْراهِيمَ فِي حَقْلِ سُؤالٍ وَجَوابٍ ) بَلْ إِنَّ الرَسُولَ مُحَمَّد اِسْتَعْمَلَ عِتابَ بِن أسيد والِياً عَلَى مَكَّةَ، كَما أَشَرْنا، قَبْلَ عَوْدَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ وَأَنَّ مُحَمَّد بِهٰذا التَعْيِينِ وَجَّهَ صَفْعَةً إِلَى قُرَيْشٍ وَإِلَى أَبِي سُفْيانَ سَيِّدِ قُرَيْش بِشَكْلٍ خاصٍّ فَكَيْفَ يُعَيِّنُ أَصْغَرَ أَبْناءِ أُمِّيَّةِ، وَيَكادُ لا يَمْتَلِكَ أَيَّ خِبْرَةٍ وَأَسْلَمَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلِماذا تَجاهَلَ أَبُا سَفِيّانِ بَلْ وَعَيْنَهُ والِياً عَلَى جُزْءٍ مِنْ نَجْرانَ وَهِيَ مِنْطِقَةٌ لا أَهَمِّيَّةَ لَها أَوْ لِماذا لَمْ يُعِينْ أَحَدٌ أَبْنائِهِ الَّذِي سارَعَ أَبا بَكْرٍ وَعَيَّنَهُ إِحْدَى قُوّاتِ غَزَواتِهِ عَلَى الرُومِ؟!.
وَيُقَدِّمُ النُصُولِيُّ فِي هٰذا المَقْطَعِ فِقْرَةً كانَهُ أَقْحَمُها اِقْحاماً فِي غَيْرِ مَوْضِعِها وَهُوَ يُرِيدُ بِها النِيلَ مِن الأَنْصارِ وَمُحاوَلَةً فِي لَوْيِ التارِيخِ فَيَقُولُ: " تَغْلُّوا مَراجِلَ الحِقْدِ فِي صُدُورِهِمْ " وَيَقْصِدُ الأَنْصارَ وَلٰكِنَّهُ يَعْلَمُ بِأَنَّ الواقِعَ غَيْرُ ذٰلِكَ وَعَكْسُ ما يَقُولُهُ تَماماً فَقَدْ كانَ الأَنْصارُ فِي كُلِّ المَقايِيسِ الدِينِيَّةِ وَالأَخْلاقِيَّةِ وَالسِياسِيَّةِ و وفق كل المصادر وَمُنْذُ الهِجْرَةِ اِقْرَبَّ الناسُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَالإِسْلامِ مِنْ القَرِيشِيِّينَ الَّذِينَ حارَبُوا الإِسْلامَ حَتَّى آخِرِ ساعَةٍ ، وَلَمْ يَكُونُوا بِحاجَةٍ لِلحِقْدِ فَقَدْ نَما الإِسْلامُ وَتَوَسَّعَ وَأَنْتَصِرُ بِفَضْلِهِمْ وَاِخْتارَ النَبِيُّ المَدِينَةَ لِتَكُونَ مَرْكَزَ حُكْمِهِ حَتَّى بَعْدَ الفَتْحِ ، فَالعَكْسُ هُوَ الصَحِيحُ فَقَدْ كانَ مُعاوِيَةَ وَالقَرِيشِيِّينَ يَمْتَلِئُونَ حِقْداً عَلَى الأَنْصارِ، وَما أَصْبَحَت مَكانَتُهُم فِي الإِسْلامِ وَما السَقِيفَةُ إِلّا مُؤامَرَةً عَلَيْهِم بِالدَرَجَةِ الأُولَى لَقَدْ خَرَجَ مِن مَكَّةَ مُهاجِراً نَحْوَ 80 فَرْداً وَلَوْ أَضَفْنا لَهُم مَنْ كانَ لَدَى النَجاشِيِّ لَما وَصَلُوا المِئَةَ فِي حِينِ كانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ أَكْثَرَ مِن 300 وَفِي أَحَدِ 700-1000 وَفِي غَزْوَةِ الأَحْزابِ ثَلاثَةُ الأَلافِ، وَظَلَّ العَدَدُ يَزْدادُ إِلَى أَنْ بَلَغَ حَسَبَ بَعْضِ المَصادِرِ إِلَى 10 الآلافَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَبِماذا اِنْتَصَرَ الإِسْلامُ، كَما أَنَّهُ يُشِيرُ فِي هٰذِهِ المُلاحَظَةِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُباشِرٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ، فَقَدْ قِيلَ إِنَّ جَلَّ جَيْشُهُ مِنْ الأَنْصارِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ جَلَّ جَيْشُ النَبِيِّ وَالمُسْلِمِينَ قَبْلَ عَلِيٍّ مِنْ الأَنْصارِ كَما أَسْلَفْنا فِي مُعْظَمِ الغَزَواتِ. وَما غَزْوُ المَدِينَةِ فِي زَمَنٍ يَزِيدُ وَمَوْقِعَةِ الحُرَّةِ، وَاِسْتِباحَتُها لِثَلاثَةِ أَيّامٍ إِلّا مِثالٌ صارِخٌ عَلَى حِقْدِ الأُمَوِيِّينَ عَلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، حَتَّى فِي الفَتْحِ فَإِنَّ مَنْ قُتِلَ مِنْ القَرِيشِيِّينَ قُتِلَ بِسَيْفِ قُرَيْشِيٍّ هُوَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وَلَيْسَ بِسُيُوفِ الأَنْصارِ وأخيرا الم يقرأ او سمع بحديث النبي الذي أورده البخاري في إِثم من كادَ أَهلَ المَدينة[حدَّثنا حُسينُ بن حُريث: أَخبرنا الفضل، عن جُعيد، عن عائشة قالت سمعت سعدا(رض) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يكيدُ أهلُ المَدِينةِ أحدٌ إلاّ أنماع، كما ينماع الملح في الماء"] (البخاري كتاب فضائل المدينة باب 7 حديث رقم 1877)
وَهُوَ يُفاخِرُ بِقُوّادٍ مُعاوِيَةَ" أَسْتَعْمِلُهُمْ فِي الحُرُوبِ الَّتِي أَشْعَلَ نارَها حُبّاً فِي تَوْسِيعِ المَمْلَكَةِ الأُمَوِيَّةِ فِي المَعارِكِ وَالغَزَواتِ فَيَصِفُهُم مُعْتَمِداً عَلَى الطَبَرِيِّ "وَبَسْر بْنِ أَرْطاة دَوْراً مُهِمّاً فِي فَتْحِ مِصْرَ وَإِفْرِيقْيا، وَبِسِرِّ هٰذا رَجُلٌ ذُو شَخْصِيَّةٍ غَرِيبَةٍ وَشَجاعَةٍ نادِرَةٍ، كانَ لَهُ فِي بَثِّ دَعْوَةِ مُعاوِيَةِ شَأْنٌ وَهُوَ مِنْ أُولٰئِكَ البَدْوِ الَّذِينَ لا تَتَخَلَّلُ الرَحْمَةُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، فَيَفْتِكُ بِأَعْدائِهِ أَنْ تُمَكِّنَ مِنهُم فَتْكاً ذَرِيعاً ، هٰؤُلاءِ القادَةُ هُم الَّذِينَ قامُوا بِمُعْظَمِ مُغازِي مُعاوِيَةَ ، وَلا يَتَوَرَّعُ فِي الاِسْتِشْهادِ بِالقَسِّ البَلْجِيكِيِّ الَّذِي عاشَ أَغْلَبَ حَياتِهِ فِي لُبْنانَ وَتَوَفَّى فِيها عامَ 1937 وَلَهُ بَعْضُ الآراءِ غايَةً فِي الاِخْتِلافِ مَعَ المُسْلِمِينَ (هِنْرِي لامنس)" بِأَنَّ مُعاوِيَةَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَتَرَبَّعَ فِي أَيّامِنا هٰذِهِ عَلَى كُرْسِيِّ الرِئاسَةِ فِي أَيِّ مَجْلِسٍ مِنْ مَجالِسِنا التَشْرِيعِيَّةِ " عَلَى الرَغْمِ مِن أَنَّ المُسْلِمِينَ مِن أَمْثالِهِ يَعْتَبِرُونَ أَنَّ هٰذا القَسَّ كانَ مِن أَشَدِّ أَعْداءِ الإِسْلامِ، وَفِي دِراسَتِنا المُوَسَّعَةِ مُناقَشَةٌ لِأَفْكارِهِ الَّتِي لا نَتَّفِقُ مَعَ بَعْضِها

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن