|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 7 / 11
يُعدّ هذا السؤال هو الأبرز، والأزمة هي الأقدم. ومن خلال قراءة التاريخ القريب، يتضح أن تخبّط الإدارة لم يبدأ بعد 2011 فقط، بل كان حاضرًا قبل ذلك، نتيجة غياب الرؤية الاستراتيجية. وفي هذا السياق، نستحضر ظاهرة الإعفاء والتعيين العشوائي لرؤساء الجامعات، والتي كانت تتم في أي وقت بسبب التباينات الشخصية بين الوزير ورئيس الجامعة، أو تحت وطأة الضغوط الطلابية، أو جراء تدخلات عناصر اللجان الثورية آنذاك بمعزل تام عن تقييم الأداء أو الكفاءة الإدارية. لقد عانت الإدارة الجامعية من غياب آليات المحاسبة والتقييم المؤسسي، واقتصرت الرقابة على المسار السياسي واعتبارات الولاء للنظام السياسي. وفي المقابل، تراجعت أهمية التجاوزات المالية والإدارية، ليصبح معيار الولاء هو المحرّك الأساسي في ترشيح وتعيين القيادات الأكاديمية، بدلًا من معيار الجدارة.
إن ما استجد وتعاظم في مرحلة ما بعد 2011، هو الغياب التام لمفهوم الدولة، أو بالأحرى لآليات المتابعة والتوجيه السياسية المنظمة للمؤسسات. وفي هذا السياق، تستحضرني تجربة شخصية؛ إذ قصدت وزير التعليم العالي السابق لمناقشة إحدى قضايا جودة التعليم وضمان جودتها. وخلال ذلك اليوم وبعده عبر زيارات محدودة رصدتُ ملاحظات صادمة؛ إذ تبين أن هناك شبكة من الأشخاص النافذين داخل أروقة الوزارة هي التي تتحكم فعليًا في مسارات التعليم وتوجهها وفق مصالحها.
ولم يكن هذا الاستنتاج استقراءً ظاهريًا فحسب، بل جاء على نحو يؤكده اعتراف صريح من الوزير السابق نفسه، الذي أقر بعجزه عن رفض رغباتهم، مؤكدًا أن الوزارة برمتها باتت مرتهنة لسطوتهم ونفوذهم البيروقراطي. كما أصبح تعيين رؤساء الجامعات يخضع لسياقات وحسابات معينة، لا علاقة لها بالكفايات الأكاديمية أو الأفضلية المهنية؛ بل صار رهينًا للضغوط المناطقية والقبلية، أو محصلةً للمحسوبية والعلاقات الشخصية مع الوزير. وغالبًا ما تعكس القرارات والمنشورات الصادرة عن الوزارة في مضمونها خواطر وأهواء الوزير وحاشيته، بمعزل تام عن أي خطط إستراتيجية حقيقية.
وحتى الخطة التي وُضعت سابقًا وقد كنت قد أبدَيتُ اعتراضي الصريح على قيام الوزارة بإعدادها منفردة، لكون ذلك يمثل تجاوزًا صارخًا لصلاحيات مجلس التخطيط الوطني لم ينفَّذ منها شيء على أرض الواقع، وهو ما يثبت ويؤكد أن الهدف من صياغتها كان يرمي إلى غايات أخرى لا صلة لها بالتخطيط التعليمي أو المصلحة العامة
عندما طالبتُ الوزيرالسابق بضرورة منح المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية استقلاليته التامة، جاء رده صريحاً ومكاشفاً لسايكولوجيا السلطة؛ إذ قال لي بأن هذا الإجراء سيضع الوزارة في (زاوية حرجة) ويجعلها مكشوفةً تماماً أمام الرقابة الحقيقية.
إن نمط التفكير هذا لا يقتصر على وزارة التعليم العالي وحدها؛ فلقد أكد لي بعض الزملاء أن وزراء آخرين في قطاعات مختلفة يتقاسمون ذات المنهجية، ويحيطون أنفسهم بذات الحاشية البيروقراطية التي تتولى منح المسؤول شعوراً زائفاً بوهم العبقرية والتفرد. وهنا تستحضرني العبارة التي وجهتها لوزير التعليم السابق صراحةً محذراً إياه من مغبة الاستسلام لـهذا الوهم، مع علمي التام بأن البيئة السياسية والمؤسسية المشوهة هي التي فرضت عليه تلك الأوهام وصنعتها، ليتحول المسؤول في النهاية إلى ضحية لبطانته والبيئة المحيطة به.
تأسيساً على ما تقدم، يتضح أن هناك أزمة بنيوية متجذرة في أداء الوزارة، تفرض ضرورة إجراء مراجعة جذرية وشاملة، للخروج من شرنقة تلك الأوهام والشبكات البيروقراطية الضيقة، نحو إدارة القطاع بعقلية المدرب الذي يقود المنظومة وينفذ الخطط الإستراتيجية عبر فريق فني متخصص وقائم على الكفاءة والجدارة. بيد أن هذا التحول الإداري والمهني يظل مرتهناً، بصفة أساسية، بشرطين سياديين؛ أولهما وجود سلطة وطنية واحدة وموحدة تنهي حالة الانقسام المؤسسي، وثانيهما توفر إرادة سياسية حقيقية وجادة تتجه بصدق نحو الإصلاح والتحسين والتطوير الفعلي للتعليم العالي.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |