يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.

حامد الضبياني
2026 / 7 / 11

ليس أكثر إيلامًا من وطنٍ يزداد ثراءً في دفاتر الإيرادات، بينما يزداد فقرًا في وجوه أبنائه. فالعراق ليس بلدًا فقيرًا حتى يعتاد شعبه الطوابير، ولا أرضًا عقيمة حتى يتسول أبناؤه لقمة الخبز، بل هو أحد أغنى بلدان الأرض بثرواته، غير أن الثروة حين تقع في قبضة الفساد تتحول من نعمة إلى لعنة، ومن مشروع حياة إلى مشروع موت بطيء. إن الفلسفة تعلمنا أن الدولة لا تنهار عندما ينضب النفط، بل عندما ينضب الضمير، وأن القانون لا يموت عندما يغيب النص، بل عندما يصبح النص خادمًا للقوي وعدوًا للضعيف.في العراق تتجاور القصور مع بيوت الصفيح، وتلمع ساعات الذهب في معاصم المتنفذين فيما تنطفئ الكهرباء في بيوت الفقراء، وتمتلئ موائد السلطة بما لذ وطاب بينما يبحث ملايين المواطنين عن دواء أو وظيفة أو رغيف كريم. وهنا يطرح العقل سؤاله القديم: كيف يمكن لبلدٍ يملك هذه الثروات أن يبقى شعبه أسير الحاجة؟ إن الجواب لا يكمن في قلة الموارد، وإنما في سوء الإدارة، والفساد، وغياب المساءلة، وتحول المال العام إلى غنيمة تتقاسمها شبكات النفوذ بدل أن يكون حقًا للمواطن.لقد امتلأت الساحة العراقية على مدى السنوات الماضية باتهامات متبادلة وملفات تتحدث عن هدر المال العام، وسوء إدارة الثروات، وصفقات مشبوهة، وتراجع الخدمات، وملفات تتعلق بالمشتقات النفطية، والحصة التموينية، والعقود الحكومية، والمواد الغذائية التي شكا المواطنون مرارًا من رداءتها. وهذه القضايا، إن كانت صحيحة، لا ينبغي أن تبقى مادةً للإعلام أو منصات التواصل، بل يجب أن تكون محل تحقيق قضائي مستقل وشفاف يكشف الحقيقة كاملة أمام الشعب، لأن العدالة لا تُبنى بالشائعات، ولا تُهدم بإخفاء الحقائق.إن أكثر ما يقتل الشعوب ليس الفقر، وإنما شعورها بأن القانون لا يُطبق على الجميع. حين يُحاسب الضعيف على خطأ صغير، بينما يفلت صاحب النفوذ من المحاسبة إن ثبتت عليه مخالفات جسيمة، فإن الناس لا تفقد ثقتها بالقضاء وحده، بل تفقد إيمانها بفكرة الدولة نفسها. وعندما يشعر المواطن أن العدالة أصبحت امتيازًا وليست حقًا، يبدأ الوطن بالتآكل من داخله، لأن الظلم هو أسرع طريق لانهيار الأمم.إن العراق اليوم لا يحتاج إلى خطابات جديدة بقدر حاجته إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وهيئات رقابية تمتلك الشجاعة لفتح كل الملفات بلا استثناء، أيًا كانت أسماء أصحابها أو مواقعهم أو انتماءاتهم. فالدولة التي تحترم نفسها لا تعرف مواطنًا فوق القانون، ولا مسؤولًا محصنًا من المساءلة، ولا حزبًا يملك حق الإفلات من العقاب. فالحقيقة وحدها هي التي تحمي الوطن، أما التستر على الفساد فإنه يحمي الفساد وحده.ليس المطلوب انتقامًا، وإنما عدالة. وليس المطلوب تصفية حسابات سياسية، وإنما كشف الوقائع بالأدلة، واسترداد الأموال العامة إن ثبت الاستيلاء عليها، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالشفافية والنزاهة وسيادة القانون.سيظل العراق أكبر من الفاسدين جميعًا، لأن حضارة عمرها آلاف السنين لا يمكن أن تختزلها مرحلة سوداء مهما طالت، غير أن هذه الحضارة تستحق أبناءً يحرسونها بالضمير لا بالمصالح، ويحمون ثرواتها بالقانون لا بالنفوذ، ويؤمنون بأن الذهب الحقيقي ليس ما يزين الأعناق، بل ما يزين الذمم. وعندما يصبح المال العام أمانةً لا غنيمة، والقضاء حصنًا للحق لا ملاذًا للمتنفذين، عندها فقط سيعود للعراق وجهه الذي عرفه التاريخ، وستعود كرامة المواطن أغلى من كل ذهب الدنيا.