|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 7 / 10
ليس من الإنصاف أن تُقاس الأحزاب كلها بميزانٍ واحد، ولا أن تُختزل التجارب الإنسانية الطويلة في حكمٍ عابر أو في صورةٍ صنعتها الخصومات السياسية.فالحزب الشيوعي، بوصفه أحد أهم الظواهر الفكرية والسياسية في القرن العشرين، كان مشروعًا أراد أن يغيّر العالم، وأن يعيد تعريف العدالة الاجتماعية، وأن يجعل الإنسان قيمةً أعلى من الثروة، والعمل أسمى من الامتياز، لكنه في الوقت نفسه حمل تناقضاته معه، إذ لم يكن التاريخ يومًا طريقًا مستقيمًا، بل متاهةً تمشي فيها الأفكار وهي تحمل بذور قوتها وضعفها معًا.وفي العراق، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا من أي مكان آخر. فمن النادر أن يجد الباحث حزبًا ظل اسمه مقترنًا في الوعي العام بدرجة كبيرة من النزاهة المالية مقارنةً بغيره، حتى عند خصومه، فقد خرج كثير من أفراده من العمل السياسي وهم لا يملكون قصورًا ولا أرصدةً ولا إمبراطوريات اقتصادية، ولم يُعرف عن الحزب، في مجمله، أنه اتخذ المال العام وسيلةً للإثراء الشخصي كما اتُّهمت قوى سياسية أخرى بعد عام 2003. وهذه ليست شهادةً تمنح صكوك البراءة المطلقة، لكنها قراءة لواحدة من السمات التي كثيرًا ما تُذكر عند الحديث عن تجربته العراقية.لقد أثبت الحزب الشيوعي أن النزاهة وحدها لا تكفي لبناء مشروع سياسي ناجح، لأن السياسة ليست أخلاقًا فقط، بل هي أيضًا قدرة على قراءة المجتمع، وفهم نفسيته، والتواصل مع قيمه، وتحويل المبادئ إلى لغةٍ يفهمها الناس قبل أن تتحول إلى شعارات يصفق لها المثقفون. وهنا بدأ التناقض الكبير؛ فقد امتلك الحزب عقلًا تنظيريًا واسعًا، لكنه لم يمتلك دائمًا الأدوات الكافية لتسويق نفسه داخل مجتمعٍ تشكل فيه الهوية الدينية عنصرًا أساسيًا من الوجدان الجمعي.لقد ظل الحزب، في نظر شرائح واسعة، أسير تهمة الإلحاد، سواء كانت تلك التهمة منصفة أم مبالغًا فيها أم استُخدمت سلاحًا سياسيًا ضده. ولم ينجح، عبر عقود طويلة، في بناء خطابٍ يقنع المجتمع بأن العدالة الاجتماعية ليست نقيضًا للإيمان، وأن الدفاع عن الفقراء لا يعني بالضرورة معاداة الدين، وأن التجربة العراقية تختلف عن تجارب أخرى ارتبطت بأنظمة شمولية رفعت راية الشيوعية باسمها. فترك المجال لخصومه كي يختزلوا تاريخه كله في تهمة واحدة، بينما انشغل هو بالدفاع الفكري أكثر من انشغاله بإعادة بناء صورته الشعبية.ولعل أكثر ما يثير التأمل أن الحزب الذي أسهم في صناعة جانب مهم من الحياة الثقافية العراقية والعربية الحديثة، لم يستطع أن يحوّل هذا الرصيد الثقافي إلى قوة سياسية واسعة. فمن بين صفوفه، أو من الدوائر القريبة من فكره، برز شعراء وروائيون وفنانون ونقاد وصحفيون ومسرحيون تركوا أثرًا عميقًا في الثقافة العربية، وكانت الصحف والمجلات والمنتديات التي شارك فيها الشيوعيون أو قادوها منابر للتنوير والحوار والإبداع، حتى أصبح حضورهم الثقافي أكبر من حضورهم الانتخابي والسياسي. وكأن الحزب أتقن صناعة المثقف أكثر مما أتقن صناعة السياسي، ونجح في تعليم الآخرين فن المعارضة أكثر مما نجح في إدارة مشروعه الجماهيري.ومن المفارقات المؤلمة أن الأحزاب التي امتلكت خطابًا دينيًا واستطاعت الوصول إلى السلطة، وقعت في كثير من الأحيان تحت اتهامات واسعة بالفساد وسوء الإدارة، بينما بقي الحزب الشيوعي، رغم محدودية حضوره التنفيذي، محتفظًا بصورة أكثر نزاهة في نظر كثيرين. وهنا تبرز المفارقة الفلسفية الكبرى؛ فالنزاهة بلا سلطة لا تغيّر الواقع، والسلطة بلا نزاهة تفسد الواقع، وما بين الاثنين تضيع أحلام الشعوب.إن الأزمة الحقيقية لم تكن في أخلاق الحزب بقدر ما كانت في أدواته السياسية. فقد بقي وفيًا لمقولاته الفكرية، لكنه لم يطوّر خطابًا يستوعب تحولات المجتمع العراقي، ولم ينجح في الانتقال من لغة النخبة إلى لغة الناس، ومن الدفاع عن الفكرة إلى بناء الثقة الشعبية الواسعة. ولهذا بدا أحيانًا كأنه حزبٌ خُلق ليعلّم الآخرين السياسة، بينما يعجز عن الفوز بقواعدها العملية.وليس المقصود من هذا الحديث تمجيد حزب أو إدانة آخر، بل محاولة لفهم واحدة من أكثر التجارب العراقية تعقيدًا. فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل يكتبه أيضًا الذين احتفظوا بضميرهم وهم يخسرون، كما يكتبه الذين ربحوا السلطة ثم خسروا ثقة الناس. وبين الضمير والسلطة يقف الحزب الشيوعي العراقي مثالًا لتجربة تستحق التأمل؛ تجربة امتلكت رأس مال أخلاقيًا وثقافيًا كبيرًا، لكنها لم تستطع أن تحوّل ذلك إلى مشروع حكمٍ قادر على إقناع أغلبية المجتمع.وربما كانت الفلسفة تعلمنا أن الفكرة العظيمة لا تكفي إذا لم تجد الوعاء الاجتماعي الذي يحملها، وأن النزاهة فضيلة لا غنى عنها، لكنها ليست البديل عن الرؤية السياسية المرنة، ولا عن القدرة على مخاطبة الإنسان بلغته وقيمه ومخاوفه. فالأحزاب لا تعيش بتاريخها فقط، بل بقدرتها على تجديد ذاتها، ومراجعة أخطائها، والاقتراب من نبض المجتمع دون أن تتخلى عن جوهرها.وهكذا يبقى الحزب الشيوعي العراقي، بكل ما له وما عليه، صفحةً استثنائية في التاريخ السياسي العراقي؛ صفحةً تختلط فيها نزاهة اليد بارتباك الأداء، وثراء الثقافة بضيق الحضور الشعبي، وصلابة المبادئ بعجز التسويق، ليظل شاهدًا على أن الطريق إلى التغيير لا يُعبد بالنوايا الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى حكمة السياسة بقدر ما يحتاج إلى نقاء الضمير.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |