|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 7 / 10
ليست رواية "القضية رقم 48" لفكتور سيرج مجرد عمل أدبي يستعيد مرحلة من مراحل الاتحاد السوفييتي، بل هي شهادة أخلاقية وفلسفية على الكيفية التي يمكن أن تنقلب بها الثورة إلى نقيضها، حين تتحول الدولة إلى غاية في ذاتها، ويصبح الحزب بديلاً عن المجتمع، والأجهزة الأمنية بديلا عن السياسة، والطاعة بديلاً عن الحرية. ولهذا فإن الرواية لا تقرأ بوصفها وثيقة عن الستالينية فحسب، بل بوصفها تحذيرا دائما من كل سلطة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
الرواية كمرآة للثورة المغدورة
تنطلق الأحداث من اغتيال غامض لأحد مسؤولي الحزب، لكنه ليس سوى مدخل لبناء عالم كامل من الارتياب والخوف. فالجريمة ليست موضوع الرواية الحقيقي، بل الذريعة التي تتيح للسلطة إعادة إنتاج نفسها عبر اختراع الأعداء وتوسيع دائرة الاشتباه. وهنا يكشف سيرج كيف تتحول العدالة إلى تقنية للقمع، وكيف يصبح التحقيق وسيلة لإنتاج "الحقيقة الرسمية" بدل البحث عن الحقيقة.
هذا البناء يحيل مباشرة إلى منطق محاكمات موسكو، لكن سيرج يتجنب المباشرة السياسية، ويختار لغة روائية تقوم على التوتر النفسي، والصمت، والهواجس الداخلية، مما يجعل القارئ يعيش تجربة الخوف من داخل الشخصيات، لا من خارجها.
الدولة التي تبتلع أبناءها
تكمن قوة الرواية في أنها لا تصف الاستبداد باعتباره انحرافا أخلاقيا فحسب، بل باعتباره بنية سياسية واجتماعية تنتج منطقها الخاص. فحين تحتكر الدولة الحقيقة، يصبح الشك جريمة، والاستقلال الفكري خيانة، والذاكرة خطرا يجب محوه.
لا يحتاج النظام الشمولي إلى أدلة، لأنه يصنعها؛ ولا يحتاج إلى المذنبين، لأنه ينتجهم. ولهذا تتحول البراءة نفسها إلى تهمة، ويصبح الاعتراف، حتى لو كان كاذبا، أكثر أهمية من الوقائع. إنها لحظة تنتصر فيها البيروقراطية على العدالة، والولاء على الحقيقة.
الوعي التراجيدي: الضحية والجلاد في التاريخ نفسه
ما يمنح رواية سيرج عمقها الاستثنائي هو وعيها التراجيدي. فالضحايا ليسوا غرباء عن النظام الذي يسحقهم، بل كانوا في لحظات سابقة جزءًا من الآلة التي ساهمت في بناء سلطتها. إنهم لا يدفعون ثمن أخطائهم الفردية فقط، بل ثمن قبولهم بمنطق يلغي الديمقراطية الداخلية ويجعل الحزب فوق المجتمع.
وهنا يبتعد سيرج عن السرد الأخلاقي المبسط الذي يقسم العالم إلى أخيار وأشرار، ليقدم رؤية أكثر تركيبًا: فالتاريخ لا يصنعه الأشرار وحدهم، بل أيضا الصالحون الذين يصمتون، أو الذين يبررون القمع باعتباره ضرورة مؤقتة. وهكذا تتحول المأساة إلى نقد جذري لفكرة أن الغاية الثورية تبرر كل الوسائل.
الرواية والدفاع عن الحقيقة
يدافع سيرج عن الحقيقة بوصفها قيمة إنسانية قبل أن تكون قضية سياسية. فالرواية تطرح سؤالا جوهريا: ماذا يبقى من الثورة عندما يصبح الكذب سياسة رسمية؟ وماذا يبقى من الاشتراكية عندما يُستبدل وعي الجماهير بسلطة الأجهزة؟
إنها ليست دعوة للحنين إلى الماضي، ولا دفاعا عن الليبرالية، بل دفاع عن الاشتراكية بوصفها مشروعا للتحرر الإنساني، لا نظاما لإدارة الخوف. ومن هنا تأتي أهمية الرواية داخل التراث الماركسي النقدي، لأنها ترفض مساواة الدفاع عن الثورة بالدفاع عن الاستبداد.
الأدب بوصفه مقاومة
لم يكتب فكتور سيرج روايته لينتقم من خصومه السياسيين، بل ليمنع النسيان. فالأدب عنده ليس ترفًا جماليًا، وإنما فعل مقاومة ضد محو الذاكرة. لذلك تتجاوز شخصياته حدود المرحلة التاريخية التي كُتبت فيها، لتصبح نماذج إنسانية تواجه السؤال ذاته في كل الأزمنة: كيف يحافظ الإنسان على ضميره عندما تتحول الحقيقة إلى جريمة؟
ولهذا تبدو الرواية معاصرة اليوم كما كانت عند صدورها. ففي عالم تتوسع فيه أجهزة المراقبة، وتصنع الحقائق عبر الإعلام والدعاية، ويختزل الأمن في تبرير انتهاك الحقوق، تستعيد "القضية رقم 48" راهنيتها بوصفها تحذيرا من أن الاستبداد لا يبدأ بالقتل، بل يبدأ حين يتوقف الناس عن مساءلة السلطة.
خاتمة
تكمن عظمة فكتور سيرج في أنه لم يكتب ضد شخص أو مرحلة تاريخية بعينها، بل ضد منطق الطغيان ذاته. لقد أدرك أن أخطر ما يهدد أي مشروع تحرري ليس أعداؤه الخارجيون فقط، بل إمكانية أن يتحول، من الداخل، إلى سلطة تحتكر الحقيقة وتُقصي الاختلاف.
لذلك تبقى "القضية رقم 48" أكثر من رواية سياسية؛ إنها دفاع عن الكرامة الإنسانية، وعن الذاكرة، وعن حق الإنسان في أن يشك، وأن يسأل، وأن يرفض. وهي تذكير دائم بأن الثورة التي تخشى الحقيقة محكوم عليها بأن تتحول إلى نقيضها، وأن الحرية ليست ثمرة الثورة فحسب، بل شرط استمرارها أيضًا.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |