|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
زيد نائل العدوان
2026 / 7 / 9
على الأغلب الأعم، فإن روسيا في عهد القياصرة وقبل ثورة عام 1917؛ كانت تُقدَم بوصفها دولة غير متحضرة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، كما تُوصَف بأنها تعاني من أزمات في مختلف المجالات؛ وأن عدم تحضرها وعدم مواكبتها للسرب كان إحدى أسباب قيام الثورة البلشفية بكل تفاصيلها؛ إذ كان يعاني العمال والفلاحون والطبقات الدنيا ذوي الدخل المحدود من تدني مستوى الخدمات مثل التعليم والصحة وغير ذلك.
غير أن هذا الأمر غير متفق عليه بين المؤرخين، فكثير من المؤرخين يرون العكس؛ أي يرون أن روسيا كانت تمر بعدة إصلاحات مختلفة كانت تمهد لتغييرها من الأسوأ للأفضل؛ وذلك لإن روسيا شهدت تغييرات من قبل القياصرة في آخر عشر سنوات قبل الثورة، كما أن القياصرة كانوا يمهدون -وفق وجهة نظر هؤلاء المؤرخين- لقيام روسيا على قدميها اقتصاديًا وعسكريًا، هذا طبعًا غير التعليم والثقافة، والذي أولى القياصرة اهتمام كبير به وعملوا على تطويره وعنايته.
وبالتالي، يتم التوصل حسب وجهة نظر هؤلاء المؤرخين، إلى أن روسيا لم تكن بالتخلف الملحوظ، بل كانت تستعد لنهضة بكافة المجالات المختلفة، وإن كان هذا الأمر قد واجه صعوبات عملية وواقعية جمة ومختلفة، منها على سبيل المثال لا الحصر صعود المعارضة الروسية والتي كانت تعارض تدخل القيصر في الشؤون المختلفة ومنها السخط والحنق الشعبي في كافة أنحاء روسيا؛ والذي كان يؤخر نهوض روسيا.
ولو أتينا للأمور السيئة التي كانت تعاني منها روسيا القيصرية، لوجدنا أنها كانت أقل تقدمًا من باقي الدول مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها، فروسيا تحت حكم القياصرة كانت تعاني من الدكتاتورية المتبعة من قبل النظام الحاكم؛ حيث كان النظام يصب في بوتقة الحاكم الكثير من الصلاحيات المختلفة والمتعددة، هذا غير تدني مستوى الخدمات المقدم من قبل الدولة خصوصًا للطبقات ذوي الدخل المحدود، بالإضافة إلى انتشار الأمية وسوء النظام التعليمي، هذا غير محاولة قمع المعارضة والحريات والحقوق المدنية في روسيا.
إلا أنه ورغم ذلك، لم يكن الأمر بهذا السوء حسب بعض المؤرخين، فبالنسبة لبعضهم فإن روسيا كانت تحاول النهوض على قدميها والالتفات إلى حاضر مشرق، لكن المعارضة منعت ذلك بإقامتها ثورة منعت الحكم القيصري من الاستمرار وأسقطت جميع الإصلاحات.
إلا أنه، ووفق نظري المتواضع، فإن القيصر لم يكن يحاول القيام بالإصلاحات بقدر ما كان يحاول تأخير أجل محتوم كان يجب أن يقع؛ إذ أن إمكانية الإصلاح كانت بيده، وكان يقدر على فرض خطط إصلاحية أثناء فترة حكمه تعمل على التخفيف من الأوضاع السيئة لروسيا، ولكنه رغم ذلك نرى أنه فرض إصلاحات ورقية دون الاهتمام بتطبيقها واقعيًا.
ولكن، فإن هذا لا ينفي أن روسيا قد شهدت إصلاحات مختلفة ومتعددة ومتغايرة، فمثلًا، ومن الناحية السياسية، خصوصًا في أواسط القرن التاسع عشر، فقد أُلغيَت نظام العبودية في روسيا، وأصبح الأقنان أحرارًا دون تدخل من مالكيهم السابقين، كما أنه وعلى المستوى القضائي قد تم إنشاء محاكم حديثة ونظامية تعمل على مراجعة القضايا ورد الحقوق لأصحابها، هذا بالطبع غير أنه أُقيم مجلس يدعى (مجلس الدوما)؛ وهو مجلس برلماني روسي، ومع كل هذا، فإن القيصر ظل محتفظ بصلاحيات سياسية واسعة، وهو ما عرضه لانتقاد من قبل معارضيه، إلا أنه ومع ذلك، فإنه يُحسَب لروسيا القيصرية بأنها شهدت إصلاحات واسعة بغرض منع الأمور من أن تزداد سوءً.
ولكن، وبوجهة نظري الخاصة، فإن هذه الإصلاحات كانت أقرب لإن تكون إصلاحات على ورق؛ أي لم يكن لها قيمة عملية، فالمواطن الروسي ومع كل هذه الإصلاحات لم يتحسن وضعه، ولم ينل مستوى من الخدمات يليق بكرامته كمواطن، ولذلك، لا نستطيع القول أن الإصلاحات كانت كافية. -
أما في المجال الاقتصادي، فقد حققت روسيا نموًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة قبل الثورة، فقد توسعت الصناعات الثقيلة، وارتفع إنتاج الفحم والحديد والنفط بصورة كبيرة، كما تضاعف عدد العمال الصناعيين عدة مرات، وامتدت شبكة السكك الحديدية لتربط أجزاء الإمبراطورية الشاسعة، وكان مشروع سكة حديد سيبيريا من أبرز الإنجازات الاقتصادية في تلك المرحلة، كذلك ارتفع الدخل القومي الحقيقي، وتحسنت مستويات الإنتاج الزراعي بفضل الإصلاحات الحكومية التي هدفت إلى تحديث الريف الروسي وتشجيع الملكية الفردية للأراضي.
بالإضافة إلى ذلك، يذكر المؤرخون أن الدخل القومي الروسي كان قد ارتفع، وأن مستويات الإنتاج الزراعي قد زادت؛ وذلك بفضل السياسات الزراعية التي انتهجها القيصر، ولكن، ومع كل هذا، إلا أن المواطن الروسي لم يجد ما يكفيه قوت يومه؛ ذلك أن القيصر وإن كان قد قام بالإصلاحات اللازمة إلا أنه قد أفشل كل هذه الإصلاحات بدخوله الحرب العالمية الأولى، ففي الحرب العالمية الأولى خسرت روسيا ما يقارب الستة ملايين شخص، هذا غير أن كل ميزانيتها قد توجهت لإن تُصرَف على الحرب كي يستطيع القيصر تمويل جيشه المتهالك.
وبالطبع، ورغم حدوث ثورة صناعية في روسيا؛ إلا أن ذلك لم يحقق تقدمًا في حياة المواطنين، فالمواطن انتقل من أن يكون فلاحًا للأراضي إلى عامل تحت نير الطبقة البرجوزاية؛ إذ أن معظم الأرباح الناتجة عن استخدام وسائل الإنتاج كانت تذهب إلى البرجوازيين.
أما بالنسبة للقطاع الزراعي، فقد أُلغيَ نظام العبودية في روسيا؛ إذ كان قديمًا في روسيا القيصرية يوجد نظام يسمح لطبقة النبلاء بأن يستعبدوا الفلاحين، مقابل إعطاء الفلاح قطعة من أرض يسكن عليها هو وعائلته، بالإضافة إلى حصوله على جزء من المحصول الزراعي الذي يحصده.
فعلى الرغم من هذا التطور، وعلى الرغم من أن ملايين الفلاحين قد وجدوا أنفسهم أحرارًا؛ إلا أنهم قد فقدوا مصدر عيشهم ورزقهم الذي كانوا يعتمدون عليه لإطعام أنفسهم، وبالتالي، كان على القيصر الروسي في ذلك الوقت أن يقوم بتوفير مصدر عيش ورزق بديل للفلاحين الروس؛ كي يستطيعوا التأقلم مع الوضع الجديد.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |