المستقلون في الوسط الادبي العراقي .

صادق العلي
2026 / 7 / 9

مدخل :
اوقفني شخص عراقي في مكان عام وسألني قائلاً :
اتابعك باستمرار فلماذا لا يستضيفوك في الامسيات والندوات الثقافية ؟.
قلت : لانني مستقل .
قال : ماذا تعني مستقل ؟.
قلت : سوف تكون اجابتي على سؤالك موضوعي القادم فأنتظره.
,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
ينقسم الوسط الادبي العراقي الى :
1-الشيوعيون : يتناولون هؤلاء الادباء منجزاتهم ( الادبية والحزبية ) بالكثير من التقدير والثناء ويستضيفون بعضهم البعض .
2-البعثيون : ايضاً يتناول هؤلاء الادباء منجزاتهم الوطينة والقومية بكل فخر منطلقين من فكرة انهم حملة الارث العروبي .
3-الاسلاميون ( الشيعة ) : في بعض الاحيان يلتقون واحياناً يتنافرون بحسب سياسات احزابهم وقادتها ولكن يجمعهم المذهب ومناسباته الكثيرة .
4-المتلونون:هؤلاء يدورون حيث مصالحهم دون حياء , تارة يتعاطفون مع الفكر الماركسي وتارة اخرى يتباكون على الامام الحسين في مراسيم عاشوراء .
5-المستقلون : هؤلاء المضغوب عليهم من قبل الجميع لانهم يمتلكون شخصية ورأي خاص بهم وهذا ما ترفضه جميع الاحزاب بشكل قاطع .
اجزم بانه لا يوجد اديب عراقي من بعد انقلاب عبد الكريم قاسم لغاية هذه اللحظة خارج عن التقسيم اعلاه ... هذا التقسيم ترفضه الاحزاب الثلاثة وترفض معها المستقل صاحب الشخصية والمستقلة والرأي المختلف .
في بعض المناسبات تكون هناك بعض المجاملات بين ادباء الاحزاب كنوع من الاخوةة الوطنية التي تكون بالضرورة هشة واساسها النفاق .
بعد نجاح انقلاب عبد الكريم قاسم انتشرت الشيوعية وانتشر معها ( المنجل والمطرقة ) لترتفع رائحة التراب من الارض التي تبحث عمن يروها بدمه ... هنا اصبح الوسط الفني العراقي شيوعياً بامتياز واصبح الاحتفال بالشخصيات الشيوعية واقولها وقتئذ من اهم الاحتفالات لديهم بل تتقدم على بعض المناسبات الوطنية العراقية .
بعد الاطاحة بعبد الكريم قاسم من قبل القوميين رفرفت هذه المرة راية القومية العربية ليتحول الوسط الادبي العراقي الى وسط قومي بأمتياز ولترتفع صيحات من المحيط الى الخليج وغيرها من ااشعارات العروبية بالمقابل تراجع ( الادبي الشيوعي ) اما منفياً الى خارج العراق او في السجون .
انتج لنا الادب القومي وليداً هجيناً تغلب عليه لاحقا وهو( ادباء البعث ) خصوصاً بعد وصول صدام حسين الى سدة الحكم ليتحول الوسط الادبي العرقي الى وسطاً بعثياً بامتياز ايضاً اصبح الاحتفاء بالشخصيات والمناسبات البعثية اهم بكثير من المناسبات الوطنية العراقية .
في سنة 2003 وبعد الاحتلال الامريكي للعراق تحول الوسط الادبي العراقي الى ادب اسلامي شيعي فالمناسبات الدينية الشيعية لها النصيب الاكبر وهي بالتأكيد تتقدم على المناسبات الوطنية العراقية .
في جميع هذه الحقب كان هناك المتلون الذي يعرف من اين تؤكل الكتف ويعرف كيف يصل لصاحب القرار وكيف يحصل على امتيازات قد لا يحصل عليها رفاق المسؤول قبل وصوله للسلطة لان القاعدة العامة في زمن الانقلابات تقول :
( عند الوصول للسلطة يجب التخلص من رفاق النضال والسلاح واستبدالهم بالمتملقين والمتلونين كونهم لا يمتلكون اخلاق ومبادئ ويبحثون فقط عن مصالحهم ) .
ايضاً في جميع هذه الحقب كان هناك الاديب المستقل الذي يكون بالضرورة منعزلاً مهمشاً وهو يفتخر بهذه العزلة وهذا التهميش ولكنه الواقع .
الاستقلالية ليست خياراً وليست ترفاً وانما هي وعياً كبيراً بما جرى ويجري اضف الى هذا انها ( الاستقلالية ) يعني تناول جميع الاحداث ومن قام بها بموضوعية بعيداً عن الاصطفافات والمجاملات .
عندما يوجه الاديب المستقل نقداً لاحد الاحزاب العراقية او لجميعها فانه يتلقى ذات الرد من الجميع وكانهم اتفقوا عليه ... الرد هو ( من تكون انت كي تنتقد .....!) , وهذا متأت من فكرة الحزبية ذاتها بمعنى :
اهم شرط من شروط الانخراط في العمل الحزبي العراقي هو جلد الذات مقابل الذات العليا والذوبان في القطيع ليتأكد المتحزب بانه لا شيء امام عظمة الذات العليا في حزبه , ايضا هو لا شيء امام ادباء الحزب والمنظرين للحزب .
الاديب المتحزب لا يقل خطورة عن المتحزب البسيط سواءً كان هذا الحزب شيوعياً او قومياً او اسلاموياً لان التاريخ يخبرنا ان هذه الاحزاب وعند وصولها للسلطة لم تقدم العراق بوصفه ( الدولة والوطن ) على افكارهم ومعتقداتهم وانما كانت افكارهم ومعتقداتهم في المرتبة الاولى والعراق بالمرتبة الثانية مما حملهم على ان يُلبسوا ( العراق ) ثياب معتقداتهم وافكارهم التي هي بالحقيقة غريبة عليه وهو ايضاً غريب عليها .
في المجتمعات المتحضرة يكون العمل الحزبي لخدمة الوطن وليس لخدمة ايدولوجية معينة .
الاديب المستقل يكتب ويعمل على ان العراق اكبر من اي فكرة او عقيدة او مذهب ولانه يجاهر بهذا الشيء امام جميع الاحزاب فانه بالتأكيد يتعرض للتهميش والاقصاء .

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن