ما بعد هرمز والسويس... كيف يعيد الشرق الأوسط رسم خريطة التجارة العالمية؟

زياد الزبيدي
2026 / 7 / 9

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


9 تموز يوليو 2026

من «جغرافيا المضائق» إلى «جغرافيا الشبكات»

لطالما إرتبطت التجارة العالمية بعدد محدود من الممرات البحرية التي شكلت، على مدى قرون، شرايين الإقتصاد الدولي. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن قناة السويس إلى مضيق ملقا، كانت هذه العقد الجغرافية تختصر المسافة بين القارات وتحدد إلى حد بعيد موازين القوة الإقتصادية والسياسية. لكن السنوات الأخيرة، وما شهدته من حروب وإضطرابات وهجمات على الملاحة الدولية، أعادت طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا يحدث إذا أصبح الطريق الأقصر هو الأكثر خطورة؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا. فالتوترات التي شهدتها منطقة الخليج والبحر الأحمر، والإضطرابات التي طالت سلاسل الإمداد العالمية، دفعت عددًا متزايدًا من دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى مراجعة فلسفة النقل والتجارة التي إعتمدتها لعقود. ولم يعد الهدف إختصار زمن الرحلة فحسب، بل بناء منظومة أكثر قدرة على الصمود، تستطيع مواصلة العمل حتى عندما تتعطل إحدى نقاط الإختناق البحرية.
ولهذا، تتسارع اليوم مشاريع السكك الحديدية، والموانئ، وخطوط الأنابيب، والممرات البرية، من تركيا والسعودية إلى العراق وإيران والإمارات وكازاخستان. وقد تبدو هذه المبادرات منفصلة للوهلة الأولى، لكنها عند جمعها ترسم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة تشير إلى أن المنطقة تدخل مرحلة إنتقالية قد تغير، تدريجيًا، الطريقة التي تتحرك بها التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
ولا يعني ذلك أن الممرات البحرية التقليدية فقدت أهميتها، أو أن العالم على وشك التخلي عن مضيق هرمز أو قناة السويس، وإنما يعني أن الدول أصبحت أقل إستعدادًا لربط أمنها الإقتصادي بطريق واحد، مهما بلغت أهميته. فالمعادلة الجديدة تقوم على تنويع الخيارات، وبناء شبكات مترابطة، بحيث لا يؤدي تعطل ممر واحد إلى شلل حركة التجارة بأكملها.


عودة سكة حديد الحجاز... ولكن بأهداف مختلفة

في هذا السياق، يلفت المستشرق الروسي أزات أخونوف الإنتباه، في مقاله «إحياء سكة حديد الحجاز: كيف تتذكر أنقرة والرياض البديل البري لهرمز؟» المنشور في صحيفة «بيزنس أونلاين» في 21 يونيو/حزيران 2026، إلى أن ما يجري اليوم يحمل أصداء مشروع تاريخي يعود إلى أكثر من قرن.
ويكتب أخونوف أن «التاريخ يتطور في مسار حلزوني»، في إشارة إلى أن فكرة الربط البري بين الأناضول وشبه الجزيرة العربية تعود للظهور، ولكن في ظروف مختلفة وأهداف مختلفة.
ففي مطلع القرن العشرين، أنشأت الدولة العثمانية سكة حديد الحجاز لربط دمشق بالمدينة المنورة، وكان المشروع يحمل أبعادًا دينية وسياسية وعسكرية في آن واحد. فمن جهة، سهّل وصول الحجاج إلى الأراضي المقدسة، ومن جهة أخرى منح إسطنبول وسيلة أسرع لنقل القوات والإمدادات إلى ولاياتها العربية، في وقت كانت فيه السيطرة البريطانية على قناة السويس تحد من حرية الحركة العثمانية.
ويشير أخونوف إلى أن المشروع لم يكن مجرد مبادرة عثمانية داخلية، بل تحول إلى جزء من التنافس الدولي آنذاك. فقد شارك مهندسون ألمان في بنائه، ورأت فيه برلين إمتدادًا لمشروع سكة حديد بغداد، بينما إعتبرت بريطانيا أن الخط قد يهدد تفوقها البحري ونفوذها في المنطقة. وإنتهى الأمر بتعرض السكة لعمليات تخريب واسعة خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن تتراجع أهميتها مع تفكك الدولة العثمانية وظهور الحدود السياسية الجديدة.
غير أن إستدعاء هذه التجربة التاريخية لا يعني، بحسب الكاتب، أن المنطقة تعيد إنتاج الماضي بحذافيره، بل إنها تستعيد الفكرة الأساسية نفسها: البحث عن بديل بري يقلل الإعتماد على الممرات البحرية التي يمكن أن تتحول، في أوقات الأزمات، إلى نقاط ضغط إستراتيجية.

من مشروع تاريخي إلى شبكة إقليمية

ما يمنح هذه المقارنة أهميتها أن المبادرة الحالية لا تقوم على إعادة بناء الخط التاريخي فحسب، بل على إنشاء شبكة أوسع بكثير.
ويشير أخونوف إلى أن تركيا والسعودية تعملان على مشروع يربط شبكتي السكك الحديدية في البلدين عبر سوريا والأردن، مع توقعات بإنضمام دول خليجية أخرى مثل الإمارات وقطر والكويت وسلطنة عُمان مستقبلًا.
ويهدف المشروع إلى توفير ممر بري يسمح بنقل البضائع والطاقة والمسافرين بعيدًا عن المخاطر التي قد تواجه الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب، مع تعزيز موقع تركيا بوصفها بوابة إلى أوروبا، وموقع السعودية بإعتبارها مركزًا رئيسيًا في شبكة النقل الجديدة.
لكن هذه المبادرة لا تتحرك في فراغ، إذ تتقاطع مع مشاريع أخرى يجري تطويرها بالتوازي، بما يشير إلى أن المنطقة لا تبني خطًا جديدًا، بل منظومة نقل متكاملة.


«طريق التنمية»... القناة الجافة التي قد تغير المعادلة

في مقال نشرته منصة «ذا كرادل» في 25 يونيو/حزيران 2026، يضع الكاتب سليمان كاران المشروع التركي–السعودي ضمن إطار أوسع، معتبرًا أنه يرتبط إرتباطًا وثيقًا بما يعرف بـ«طريق التنمية» العراقي.
ويرى كاران أن التحولات الأخيرة دفعت دول المنطقة إلى التفكير في ممرات برية لا تكون مجرد بدائل مؤقتة للملاحة البحرية، بل شبكات دائمة تعيد توزيع حركة التجارة بين الخليج وأوروبا.
وينطلق المشروع العراقي من ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق، ليمتد شمالًا عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق السريعة وخطوط الطاقة وصولًا إلى الحدود التركية، حيث يتصل بالشبكات الأوروبية. ويصفه كثير من الخبراء بـ«القناة الجافة»، لأنه يوفر مسارًا بريًا موازياً لبعض الطرق البحرية التقليدية.
ويشير كاران إلى أن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن في الطريق العراقي وحده، وإنما في إمكانية دمجه مع سكة حديد الحجاز الجديدة، بحيث تتشكل شبكة تمتد من الخليج العربي عبر العراق أو الأردن وسوريا إلى تركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية.
ومن وجهة نظر الكاتب، فإن أهمية هذه المشاريع لا ترتبط فقط بتقليل زمن نقل البضائع، بل أيضًا بزيادة مرونة سلاسل الإمداد. فبدل الإعتماد على ممر واحد، يصبح بالإمكان توزيع حركة التجارة على أكثر من طريق، بما يقلل آثار أي إضطراب سياسي أو عسكري قد يصيب أحدها.
ومع ذلك، يميز كاران بين الوقائع والطموحات. فالمشاريع المطروحة دخل بعضها مراحل التخطيط أو التنفيذ بالفعل، لكن تحويلها إلى شبكة متكاملة يتطلب إستثمارات ضخمة، وتنسيقًا سياسيًا طويل الأمد، وإعادة تأهيل البنية التحتية في دول عانت سنوات من الحروب، ولا سيما سوريا والعراق.
وهنا تبدأ الصورة بالإتساع. فبينما تتجه تركيا والسعودية والعراق نحو بناء محور يربط الخليج بأوروبا، تتحرك إيران في الوقت نفسه لتطوير ممر مختلف يصلها بالصين عبر أفغانستان وآسيا الوسطى، في حين تبحث كازاخستان عن منفذ مباشر إلى المياه المفتوحة، وتعمل الإمارات على إعادة صياغة مفهوم أمن الطاقة بعيدًا عن الإعتماد الحصري على مضيق هرمز. وعند هذه النقطة، يصبح الحديث عن مشاريع منفصلة أقل دقة من الحديث عن إعادة تشكيل واسعة لشبكة الممرات التجارية في غرب آسيا.


من الخليج إلى الصين... شبكة ممرات لا مشروعًا واحدًا

إذا كان مشروع سكة حديد الحجاز الجديدة يمثل الحلقة الغربية في هذا التحول، فإن الشرق يشهد تحركات لا تقل أهمية. ففي تقرير نشره موقع «المراجعة العسكرية» الروسي في 26 يونيو/حزيران 2026، يشير الكاتب أليكسي فولودين إلى أن إيران بدأت تنفيذ مشروع لخط سكك حديدية يربط مدينة خاف الإيرانية بمدينة هرات ثم مزار شريف في أفغانستان، على أن يمتد لاحقًا نحو الصين عبر طاجيكستان وقيرغيزستان، ضمن ما يعرف بـ«ممر الدول الخمس».
ويعرض فولودين المشروع بوصفه خطوة تهدف إلى تعزيز موقع إيران كمحور عبور بين شرق آسيا وغربها، وتقليص الاعتماد على النقل البحري. كما يربط بين تسريع المشروع والضغوط التي تعرضت لها الموانئ الإيرانية، معتبرًا أن البحث عن بدائل برية أصبح جزءًا من الإستراتيجية الإقتصادية الإيرانية.
غير أن الكاتب لا يغفل العقبات، وفي مقدمتها الوضع الأمني في أفغانستان، الذي يبقى العامل الأكثر حساسية في نجاح هذا المسار. فالجغرافيا وحدها لا تصنع الممرات التجارية، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة مستقرة تضمن إستمرار حركة البضائع والإستثمارات.
وفي الإتجاه نفسه، تكشف التحركات الكازاخستانية أن البحث عن بدائل لم يعد مقتصرًا على دول الخليج أو الشرق الأوسط. ففي تقرير نشرته الصحفية آنا فيليتشكو في 26 يونيو/حزيران 2026، أعلن نائب رئيس الوزراء ووزير الإقتصاد الوطني الكازاخستاني سيريك جومانغارين أن بلاده تعتزم إنشاء محطة لوجستية في ميناء بندر عباس الإيراني بتمويل من القطاع الخاص، بما يمنح كازاخستان منفذًا تجاريًا مباشرًا إلى الخليج والأسواق العالمية.
ولم يقتصر الطرح على هذا الخيار، إذ أشار الوزير أيضًا إلى إمكان إستخدام ميناء تشابهار الواقع خارج مضيق هرمز، أو تطوير مسار بديل عبر أفغانستان وصولًا إلى الموانئ الباكستانية إذا فرضت التطورات الجيوسياسية ذلك. ويكشف هذا التوجه عن تحول واضح في التفكير الإستراتيجي؛ فلم تعد الدول تبحث عن «أفضل طريق» بقدر ما تبحث عن «أكبر عدد ممكن من الطرق».


الإمارات... إدارة المخاطر بدلًا من إنتظارها

إذا كانت مشاريع السكك الحديدية تمثل الوجه البري للتحول الجاري، فإن الإمارات تقدم نموذجًا مغايرًا يقوم على إعادة هندسة البنية البحرية نفسها.
وتوضح الباحثة ليليا غانم، في دراستها المنشورة في 26 يونيو/حزيران 2026، أن التوترات التي شهدها مضيق هرمز دفعت أبوظبي إلى تسريع سياسة بدأت قبل سنوات، تقوم على تقليل الإعتماد على المضيق من خلال تطوير الموانئ الواقعة على خليج عُمان، وفي مقدمتها الفجيرة وخورفكان ودبا، وربطها بخطوط أنابيب وشبكات نقل برية.
وتستشهد غانم بتصريح وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية، الذي أكد أن بلاده تسعى إلى «التخلص الكامل من الإعتماد على مضيق هرمز، سواء ظل مفتوحًا أم لا». وترى أن هذا الموقف يعكس تحولًا في مفهوم أمن الطاقة، من حماية طريق واحد إلى بناء منظومة تضم عدة طرق يمكنها العمل بالتوازي.
لكن الدراسة لا تقدم هذا التحول بوصفه قصة نجاح مكتملة، بل تشير إلى أن الإمارات ما زالت تواجه تحديات تتعلق بنقل الغاز الطبيعي المسال وبعض الصناعات الثقيلة، فضلًا عن إستمرار إعتماد جزء مهم من حركة الإستيراد على موانئ الخليج العربي. ولذلك، فإن الإستراتيجية الإماراتية لا تقوم على إستبدال هرمز، بل على تقليل المخاطر الناجمة عن الإعتماد الحصري عليه.
وتلفت غانم إلى مفهومين يكتسبان أهمية متزايدة في إدارة سلاسل الإمداد الحديثة: تعدد المسارات والمرونة. فالأول يعني وجود بدائل متعددة لحركة التجارة، بينما يشير الثاني إلى قدرة البنية التحتية نفسها على مواصلة العمل في أوقات الأزمات. ومن هذا المنظور، لا تصبح الموانئ أو خطوط الأنابيب مجرد مشاريع إقتصادية، بل أدوات لتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات الجيوسياسية.


بين الوقائع والتوقعات

عند وضع هذه المشاريع جنبًا إلى جنب، يتضح أن المنطقة تشهد بالفعل موجة واسعة من الإستثمار في البنية التحتية للنقل والطاقة. فسكة حديد الحجاز الجديدة، وطريق التنمية العراقي، والممر الإيراني نحو الصين، والمبادرات الكازاخستانية، والإستراتيجية الإماراتية، كلها مشاريع معلنة بدرجات متفاوتة من التقدم.
لكن ما يختلف عليه الكتّاب هو النتائج المتوقعة لهذه المشاريع.
فبعضهم، مثل أزات أخونوف وسليمان كاران، يرى أنها قد تعيد توزيع النفوذ الإقتصادي في الشرق الأوسط وتمنح بعض الدول أدوارًا جديدة في التجارة العالمية. بينما يركز أليكسي فولودين على الفرص التي قد يتيحها الممر الإيراني، في حين تنظر ليليا غانم إلى التحول من زاوية أمن الطاقة وإدارة المخاطر.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الوقائع والإستنتاجات. فالوقائع تتمثل في الإعلان عن هذه المشاريع، وتوقيع عدد من الإتفاقيات، وبدء تنفيذ بعضها، وتوسيع الموانئ وخطوط الأنابيب في عدد من الدول. أما الحديث عن إعادة رسم خريطة التجارة العالمية، أو تغيير موازين القوى الدولية، أو تراجع أهمية الممرات البحرية التقليدية، فهو يبقى في إطار التحليل والإستشراف، لأن نتائجه ستتوقف على عوامل عديدة، منها التمويل، والإستقرار السياسي، والتعاون الإقليمي، وطبيعة المنافسة بين القوى الكبرى.


ما بعد هرمز والسويس... عصر الشبكات لا عصر البدائل

ربما يكون الإستنتاج الأهم الذي يجمع بين المقالات الخمسة هو أن الشرق الأوسط لا يتجه إلى إستبدال البحر بالبر، ولا إلى التخلي عن الممرات البحرية التي شكلت عصب التجارة العالمية لعقود، وإنما إلى بناء منظومة أكثر تنوعًا ومرونة، يصبح فيها كل ممر جزءًا من شبكة أوسع، لا طريقًا وحيدًا لا غنى عنه.
فإذا كان القرن العشرون قد قام إلى حد كبير على السيطرة على المضائق البحرية، فإن العقود المقبلة قد تشهد منافسة من نوع مختلف؛ منافسة لا تدور حول إحتكار طريق بعينه، بل حول إمتلاك أكبر عدد من الوصلات التي تربط بين القارات والأسواق ومصادر الطاقة.
وبهذا المعنى، لا تمثل المشاريع الممتدة من تركيا والسعودية إلى العراق وإيران والإمارات وكازاخستان مجرد إستثمارات في السكك الحديدية أو الموانئ، بل تعكس تحولًا في الطريقة التي تنظر بها دول المنطقة إلى موقعها في الإقتصاد العالمي. فبدل الرهان على ممر واحد، تتجه نحو بناء شبكة متعددة المسارات، قادرة على إستيعاب الأزمات والتكيف معها.
وقد يكون من المبكر الجزم بأن هذه المشاريع ستغير خريطة التجارة العالمية، لكن من الواضح أنها بدأت بالفعل تغير طريقة التفكير في الجغرافيا الإقتصادية. فلم تعد قوة الممر تقاس بطوله أو سرعة العبور عبره فقط، بل بقدرته على العمل ضمن شبكة أوسع، تقلل المخاطر وتوسع الخيارات.
وهذا، في حد ذاته، قد يكون التحول الأهم الذي تشهده المنطقة منذ عقود: إنتقال تدريجي من «جغرافيا المضائق» إلى «جغرافيا الشبكات»، حيث لا تلغي الممرات الجديدة أهمية هرمز أو باب المندب أو قناة السويس، لكنها تنهي إحتكارها لحركة التجارة والطاقة، وتفتح الباب أمام نظام أكثر تعددًا في المسارات، وأكثر مرونة في مواجهة الأزمات.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن