رسالة الى اليسار والمثقفين الكرد

سامي المالح
2026 / 7 / 8

في يوم الاثنين المصادف 6 من تموز الجاري، نظمت (الحركة الديمقراطية الاشورية وحزب اتحاد بيث نهرين الوطني والحزب الوطني الاشوري اضافة الى عدد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية) وقفة جماهيرية احتجاجية في مدينة دهوك، وذلك للمطالبة، قبل كل شيء، بتنفيذ وتطبيق القرارات القطعية الصادرة من المحاكم في الاقليم، القاضية بإعادة الاراضي والممتلكات المتجاوز عليها والمغتصبة في العديد من المناطق والقرى الاشورية الكلدانية السريانية. كما ولقد تكررت المطالبات، كما في العديد من المظاهرات والفعاليات والرسائل والمذكرات خلال العقود السابقة، بوقف التجاوزات والاعتداءات والتغيير الديمغرافي لمناطق هذا الشعب التاريخية وتشويه التقاليد والقيم وايقاف نشر الاوكار والاماكن المنافية للاعراف والاخلاق العامة بذرائع وحجج غير مبررة، كما يجري في قلب عنكاوا في سبيل المثال. انها في الحقيقة، صرخات لم تنقطع منذ مذابح سيفو للدولة العثمانية وجرائم الابادة في سميل وصوريا والانفال وداعش، بأن هذه المظالم وغيرها شكلت قوة طاردة اضطرت واجبرت ابناء هذا المكون الى الهروب والهجرة والبحث عن الامان والحرية والمستقبل.
من المؤكد، ان المثقف واليساري الحقيقي، هو المثقف و اليساري الذي يهتم ويدافع بكل الطرق والإمكانات عن التعايش الاخوي السلمي بين الشعوب، التعايش المبني على اساس قبول الاخر واحقاق حقوقه. ويدافع، في الاقليم، عن الحقوق الوجودية لكل الشعوب والمكونات ذات التاريخ العريق، والوقوف معها ضد التغيير الديمغرافي والتجاوزات والاعتداءات والتمييز المجحف بسبب الدين والقومية.
للأسف، لم نسمع، عدا ما ندر، صوتا لمثقف كردي يناقش وضع المكونات الصغيرة في الاقليم بحيادية ومنهجية، ويقف معها في محنتها، ويتحمل المسؤولية في الدفاع عن تاريخها وعطائها وتضحياتها الجسيمة للوطن العراقي بشكل عام ولاقليم كردستان بشكل خاص.
المثقف الكردي الحريص على مصالح ومستقبل شعبه، لا يمكنه ان يتجاهل أوضاع كل مكونات المجتمع ويعيش وكأنه لايرى ولايسمع ولا دخل له بكل ما ليس قوميا فحسب. على المثقف الكردي المخلص لشعبه، ان يكون بمستوى المسؤولية، ان يساهم في دعم التعايش بين الشعوب في الاقليم بعيدا عن الاكثرية والاقلية، بعيدا عن الدين والقومية والطائفية، بعيدا عن المزايدات والتعصب الديني والقومي والكراهية و فرض الارادة وتشويه الحقائق والتاريخ.
الاخلاص لطموحات الشعب الكردي، تضع المثقف أمام خيارات لا تقبل الالتفاف؛ لا يمكن للشعب الكردي ان يحقق طموحاته وهو يكرر ما تعرض له من مظالم من سلطات القوميات الاكبر، وان يصبح في موقع الظالم والمستعْبدْ والمتَجاوز. ان حرية الشعوب لا تتجزأ ومن يدافع عن حرية شعبه لا بد له ان يدافع عن حرية الشعوب الاخرى، ان كانت صغيرة، او بلا عشائر وميليشيات مسلحة، ، او اذا كانت تعاني من الانقسامات في التسمية والكنسية، كما في حالة الكلدان الاشوريين السريان.
أما اليسار الكردي، والذي في بعض الاحيان يسمي نفسه باليسار الكردستاني، وعلى رأسه الحزب الشيوعي الكردستاني، فكأنه يعيش خارج الزمن، حينما يتعلق الامر بالمكونات وغيرها من القضايا المفصلية المهمة في حياة المجتمع في الاقليم. يحق لنا هنا التساؤل:
اين كانت منظمة كلدو آشور، التي للاسف ماهي الا منظمة هامشية شكلية لا تقبل التجدد والتغيير، من تظاهرة دهوك؟ اين كانت، عمليا وبشكل ملموس، من مصالح واوضاع واوجاع الشعب الكلداني الاشوري السرياني طوال ثلاثة عقود؟ أين كانت قيادة الحزب الشيوعي الكردستاني، واين سياسة الحزب الواضحة، واين توجيهاتكم لمنظماتكم في اوساط هذا المكون للتعبير عن نفسها والدفاع عن مصالح شعبها من جهة، ولدعمه من قبل تنظيمات الحزب الاخرى؟
قد يفيد التذكير، ان عدد من ابرز الاصوات المثقفة، والمؤسسات الاعلامية و الوجوه الادبية والاعلامية، والتي عملت للتعريف بقضايا الشعوب واسس التعايش الاخوي ودافعت عن حرية الرأي والمعتقد، في اقليم كردستان، كانت من الشعب الكلداني الاشوري السرياني. فالمراكز الثقافية الاولى، كانت في دهوك واربيل وعنكاوا وسهل نينوى، والمؤسسات السريانية كانت السباقة بالاهتمام بالثقافة والادب لكل الشعوب، منها المديرية العامة للثقافة السريانية، الجمعية الثقافية الكلدانية، جمعية حدياب والمركز الاكاديمي في عنكاوا. وكانت الصحف والمواقع الالكترونية التي اصبحت عالمية كموقع عنكاوا كوم وتلسقف والقوش وغيرها الكثير منبرا للتعايش والدفاع عن الحريات والرأي وحق كل الشعوب في تقرير مصيرها. لقد اهتمت هذه المؤسسات والادباء والكتاب والفنانين بثقافة شعوبها، وفي ذات الوقت اهتمت بنفس القدر بالثقافة الكردية. في حين لم نرى او نسمع للاسف إلا ما ندر، بنشاطات او فعاليات مهمة وجماهيرية للمؤسسات الاعلامية والثقافية وادباء ومثقفين وفنانين اكراد، لتبدي اهتمامها بثقافة وحياة المكونات الاخرى التي تعيش معها منذ مئات السنين.
وقد يفيد التذكير ايضا، ان اقوى منظمات الحزب الشيوعي العراقي، تاريخيا، كانت في عنكاوا والقوش وسهل نينوى ومانكيش. وان كثير من قادة الحزب، في احلك المراحل كانوا من ابناء هذه المكونات. هل نسيتم مؤسس الحزب فهد واهتمامه بموضوع التعايش وحقوق المكونات ووقوفه الدائم مع المظلومين؟ هل نسيتم تضحيات الشهداء الابرار عبدالاحد المالح وجورج تلو ومنير عسكر و حنا عزو وهرمز كوهاري وابو عامل وابو جوزيف ولازار ميخا وحبيب المالح وغيرهم كثيرون من قادة وكوادر الحزب. وهل يمكن نسيان مساهمات الانصار، في قيادة القواطع وآمراء السرايا والفصائل والبيشمركه الابطال، ومئات الشهداء الذين قدموا حياتهم وزهرة شبابهم من اجل الوطن والعدالة والتعايش والحرية للجميع.
من المعروف عالميا، ان ما يميز اليسار عن غيره من القوى الاجتماعية والسياسية، هي قضيتين اساسيتين:
الاولى هي الموقف من المرأة والسياسة الجندرية، والثانية هي الموقف من حقوق كل المكونات والاقليات المشروعة، بما فيها حقها في تقرير المصير.
فهل من المنطقي ان يقف اليسار مكتوف الايدي، ولا يبالي بناس وجماهير تتظاهر وتطالب بحقوقها التي اقرتها المحاكم؟ هل من المعقول ان لا ينشر اي خبر او تعليق عن التظاهرة واسبابها واهدافها؟ هل يمكن ان يكون يسارا فعالا حقيقيا من دون تبني قضايا وحقوق كل مكونات الاقليم، كما يتبنى قضية وحقوق الشعب الكردي؟
أن قضية الشعب الكلداني الاشوري السرياني اكبر من ان تختزل بأقلية دينية، وهي قضية شعب عريق يعيش على ارضه ويقاوم من اجل البقاء والتشبث بالارض والحرية والتعايش السلمي والمساهمة في بناء الوطن وازدهاره.
على اليسار الحقيقي ان يتبنى هذه القضية ويدرسها ويضع السياسات الصائبة لحلها العادل، ويتحمل المسؤولية في الدفاع والتضحية من اجلها، والتصدي لكل تعصب وتمييز ديني وقومي مهما كان مصدره والمؤسسات والسلطات التي تقف وراءه.
.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن