على مائدة الكلمة لماذا غسل يسوع أقدام تلاميذه؟ العظمة التي انحنت لتُقيم الإنسان (يوحنا 13: 1-17)

رانية مرجية
2026 / 7 / 8

«قام عن العشاء، وخلع ثيابه، وأخذ منشفة واتزر بها… ثم ابتدأ يغسل أرجل التلاميذ.»
(يوحنا 13: 4-5)

هناك مشاهد في الإنجيل لا تحتاج إلى شرح بقدر ما تحتاج إلى صمت.

ومن بينها مشهد غسل الأقدام.

لقد كانت الليلة الأخيرة قبل الصليب. ساعات قليلة فقط تفصل المسيح عن القبض عليه، والمحاكمة، والجلجثة.

ولو كنا مكانه، لربما شغلتنا أمور كثيرة: كلمات الوداع، أو الحديث عن الألم القادم، أو إعداد التلاميذ لما ينتظرهم.

لكن يسوع يفعل أمرًا لم يكن أحد يتوقعه.

يقوم من المائدة…

ويخلع ثيابه…

ويحمل منشفة…

ثم ينحني عند أقدام تلاميذه.

ليس عند أقدام القديسين…

بل عند أقدام رجال سيهربون بعد ساعات.

وأحدهم سيبيعه.

وآخر سينكره.

والباقون سيتركونه وحده.

ومع ذلك…

غسل أقدامهم جميعًا.

في المجتمع اليهودي آنذاك، كان غسل الأقدام عملًا يقوم به الخادم، لأن الطرق كانت ترابية، والأقدام تمتلئ بالغبار.

ولذلك، عندما انحنى يسوع، لم يكن يقوم بعمل متواضع فحسب.

بل كان يقلب مفهوم العظمة كله.

لقد اعتاد البشر أن يرفعوا أنفسهم ليُظهروا عظمتهم.

أما المسيح…

فانحنى.

وكأن الإنجيل يريد أن يقول إن القامة الحقيقية لا تُقاس بمدى ارتفاع الإنسان، بل بقدرته على الانحناء من أجل الآخرين.

يعترض بطرس.

وكعادته، يتكلم باسم الجميع.

يقول:

«لن تغسل رجلي أبدًا.»

كان يظن أنه يدافع عن كرامة معلمه.

لكنه لم يكن قد فهم بعد أن كرامة المسيح لا تُنقصها الخدمة، بل تتجلى فيها.

فيرد يسوع بكلمات مدهشة:

«إن كنت لا أغسلك، فليس لك معي نصيب.»

هنا يتحول غسل الأقدام من عمل اجتماعي إلى رمز روحي.

فالإنسان لا يستطيع أن يشترك في حياة المسيح ما لم يسمح للمسيح أولًا أن يخدمه.

كم هو صعب على الإنسان أن يقبل النعمة!

نحن نحب أن نعطي أكثر مما نحب أن نستقبل.

نحب أن نخدم أكثر مما نحب أن نعترف بحاجتنا إلى من يخدمنا.

لكن بطرس تعلّم أن أول خطوة في التلمذة ليست أن تغسل أقدام الآخرين…

بل أن تسمح للمسيح أن يغسل قلبك.

بعد أن انتهى يسوع، جلس وقال لتلاميذه:

«أتعلمون ما قد صنعت بكم؟»

إنه سؤال لا يزال يطرحه علينا.

هل فهمنا حقًا؟

هل فهمنا أن القيادة في الإنجيل ليست امتيازًا…

بل مسؤولية؟

وأن السلطة ليست وسيلة للسيطرة…

بل فرصة للخدمة؟

لقد غيّر المسيح مفهوم القيادة إلى الأبد.

لم يقل: من أراد أن يكون أولًا، فليتقدم.

بل قال:

«من أراد أن يكون فيكم عظيمًا، فليكن لكم خادمًا.»
(متى 20: 26)

إن العالم يبني العظمة على النفوذ.

أما الإنجيل فيبنيها على البذل.

العالم يسأل:

كم شخصًا يخدمك؟

أما المسيح فيسأل:

كم شخصًا خدمته بمحبة؟

واللافت أن يسوع غسل أقدام يهوذا أيضًا.

هذه حقيقة تهز القلب.

لقد كان يعلم أن يهوذا سيخرج بعد قليل ليبيعه بثلاثين من الفضة.

ومع ذلك…

لم يستثنه.

لم يحرمه من الخدمة.

ولم يستخدم معرفته بالمستقبل ذريعة ليمنع عنه المحبة.

إنها من أصعب دروس الإنجيل.

أن المحبة لا تُمنح لأن الآخر يستحقها دائمًا.

بل لأنها تعكس قلب الله.

كم نحتاج إلى هذا الدرس في بيوتنا وكنائسنا ومجتمعاتنا.

لقد أصبحنا نربط القيادة بالمكانة، والخدمة بالمرتبة، والكرامة بالمظهر.

بينما يعلن المسيح أن الإنسان لا يصير كبيرًا عندما يصعد فوق الآخرين…

بل عندما ينزل إليهم.

إن الانحناء الذي قام به يسوع لم يكن حركة جسد.

بل إعلانًا عن قلب الله.

فالله لا يخاف أن يقترب من الإنسان.

ولا يخجل أن يلمس غبار الطريق العالق في قدميه.

في كل مرة نقرأ هذا المشهد، قد ننشغل بالماء والمنشفة.

لكن الرسالة أعمق من ذلك.

لقد غسل يسوع أقدام التلاميذ قبل أن يطلب منهم أن يحملوا الإنجيل إلى العالم.

وكأنه يقول:

لا يستطيع أحد أن يتحدث عن محبة الله…

ما لم يتعلم أولًا أن يعيشها في خدمة الناس.

فالرسالة لا تبدأ من المنبر.

بل تبدأ عند أقدام الآخرين.

لقد بقيت المنشفة، عبر العصور، أقوى من كل التيجان.

لأنها كشفت أن الله لا يغيّر العالم بالقوة وحدها…

بل بالمحبة التي تنحني دون أن تفقد كرامتها.

وربما لهذا لم يتذكر التلاميذ تلك الليلة الخبز والكأس فقط…

بل أيضًا الماء الذي جرى على أقدامهم، واليدان اللتان غسلتاها.

دعوة للتأمل

قبل أن أسأل نفسي: من يخدمني؟

ربما ينبغي أن أسأل:

لمن حملت اليوم منشفة المسيح؟

فالعالم يحتاج إلى كثير من الأقوياء…

لكن ملكوت الله يبنى بأناس لا يخجلون من الانحناء، لأنهم تعلموا من سيدهم أن المحبة الحقيقية لا ترتفع فوق الإنسان، بل تنزل إليه.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن