|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عزالدين بوغانمي
2026 / 7 / 8
صراع تناحري بين الأمريكان والصهاينة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وهنالك تاريخ ثقيل من الحصار والعدوان والظلم وانعدام الثقة. وهنالك تحريض إسرائيلي وضغط مستمرّ على إدارة ترامب عبر اللوبي الانجيلي الصهيوني، ما جعل مذكّرة التفاهم هشّة للغاية. وهنالك أسئلة كبرى تبقى مفتوحة بلا أجوبة:
هل يُجازف ترامب بالعودة للحرب بعد تجربة الجولتين الأخيرتين؟
وهل سيمنحه الكونغرس ذلك؟
هل مازالت هنالك فرصة للوسطاء لضبط التصعيد؟
وهل يمكن لجم شهية إيران في مزيد استعراض القوة في ضوء التهاب مشهد تشييع الخامنئي بالعواطف؟
وكيف سيكون السلوك العسكري الإسرائيلي فيما لو تجددت الحرب؟
بكل الأحوال يظل التمييز الدّقيق واجبًا لا يُستغنى عنه: فما هو شأن داخلي شيء، وما هو مواجهة العدوان شيء آخر؛ وما هو نقد سياسي مبني على التحليل باب، وما هو دعاية مأخوذة من الكتاب الإسرائيلي باب مختلف؛ ولما هو حقّ الشعب في تقرير مصيره موقف ومقياس، ولما هو واجب الانحياز للحق والعدالة في وجه الهيمنة موقف وميزان مختلف.
اعتقد قادة الكيان الإسرائيلي، والمسؤولون في الإدارة الأميركية، أن اغتيال المرشد الإيراني وبقية القادة، سيضعف النظام في ايران، إن لم يسقطه. لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماما، فقد أدّى استشهاده إلى ارتدادات عاطفية أثارت جروح أمة مظلومة بالحصار والعدوان منذ نصف قرن. وقد تجلى ذلك في الفيضان البشري أيام تشييع الجنازة، والذي سيوسع مستقبلا من القاعدة الشعبية للنظام، ويمنحه قوة معنوية لا يمكن كسرها. وحتما سيزيد لقادة النظام التفافا شعبيا وحضورا سياسيا وأخلاقيا. هؤلاء القادة الذين أخرجوا بلادهم من التبعية، وارتقوا بها اقتصاديا وعلميا إلى مرحلة القدرة على ردع أعتى قوة إجرامية في العالم رغم الحصار والتجويع. هؤلاء القادة الوطنيين الذين لا يعيشون حياة السلاطين والبذخ والمُجُون وحبّ السلطة واستغلال النفوذ وسرقة الموارد ومراكمة الثروة، بل هم الذين يقاتلون الطغاة في الصف الأمامي، منتظرين الشهادة، ويُستشهدون هم وأولادهم دفاعا عن الوطن والشعب، ولا يهابون الموت، بقدر ما تمنحهم عقيدتهم اتخاذ الموت سببا لمراكمة عزة أمتهم وكرامة شعبهم. هؤلاء القادة الكبار الذين يعيشون عيشة الزُّهد والبساطة، أثبتوا إخلاصهم وإيثارهم وشجاعتهم، أحببنا ذلك أم كرهنا.
أقرأ هذه الأيام، على هذا الفضاء الفاضح المِِفضاح كمًّا هائلا من الأفكار المأخوذة مباشرة من الكتاب الصهيوني. هي أفكار مُختبئة وراء الجُمل الجاهزة، وخالية تمامًا من الانحياز للحق. أقرأ لأشخاص يُشاركون بحماسة كبيرة في الحرب النفسية والدّعائية التي تُشنّ على الأمة الإيرانية منذ بِدْءْ العدوان. ويقدّمون أنفسهم للناس على أنهم مناضلون ومثقفون، بينما هم، بالمصطلح المصري، "فُلول" للاستعمار بِرُتب مختلفة، (من صبايحي إلى قبطان). أما
السلاح الوحيد المتاح للفلول، فهو ذريعة "ولاية الفقيه" وطبيعة النظام الإيراني"، وكأن كل من يقف ضد العدوان يتبنى مشروع النظام ومؤمن بولاية الفقيه. والحال أن طبيعة النظام وشكل الحكم وقضايا الحرية والديمقراطية والمساواة ... كلها من مشمولات الشعب الإيراني، وليس لغيره أن يقرّر من يحكمه وكيف.
بهذا المعنى، يقع الموقف من الحرب في مكان آخر بعيدا جدا على الموقف من طبيعة النظام. وفي الحقيقة ليس هنالك خيارات عديدة، إما أن تكون مع أمة مظلومة تقاوم الهيمنة والاستعمار فتصدح بالحق دون مراوغة. أو أن تكون إلى جانب ترامب ونتنياهو، وفي هذه الحالة ستضطر للتحيّل والهروب وراء شعارات"الحداثة والحريات والمساواة" فتضعها في غير محلّها حتى تُضلّل من يقرأك.
لا شكّ أن هنالك تحديات كبرى تنتظر النظام بعد سكوت المدافع. ولا شك أن هذه الحرب سيكون لها ما بعدها. ولا شك أن هنالك إصلاحيون وأصوليون ومعتدلون ومتطرفون في النظام الإيراني. ومع ذلك من الشعوذة الحديث عن صراع حاد بين هذه الأجنحة، لأن الجميع يتصارعون تحت جبة الفقيه وليس خارجها. ومن ناحية أخرى، من الدّجل أن نقطع بأن الأوضاع ستتطور في هذا الاتجاه أو ذاك. ببساطة لأنّ كلّ التداعيات سترتبط حتمًا بنتائج الحرب. والحرب لم تنتهِ، وقد لا تنتهي لأن الفجوة المفاهمية بين طرفي الحرب كبيرة جدا، ولا تقبل التّسويات. ففي حين تنظر إيران إلى نفسها كأمة حرة تُفضّل الموت على "الذِلّة"، وتنظر إلى ثروات المنطقة ومقدراتها وممراتها البحرية على أنها حقوق استراتيجية لشعوبها، وبسبب هذه الرؤية لا تعترف بالوجود الصهيوني أصلًا، ولا تقبل بوجود القواعد العسكرية في محيطها. على النقيض من هذا، تتمسك الولايات المتحده الامريكيه بالغطرسة والجبروت والهيمنة المطلقة من كازاخستان إلى موريتانيا، وجعل إسرائيل سيدة على المسلمين.
تقديري أن أمريكا ستُحبط، وإسرائيل كذلك، ومعهما الفلول في كل مكان، لأن مؤسسات الدولة في إيران قوية، ولديها القدرة على إدارة الخلافات، والقدرة على استيعاب الخسائر وإكمال المعركة، رغم الحصار والعقوبات والحروب بشتى أنواعها العسكرية والأمنية والسياسية والإعلامية والسيبرانية. فهذه القاعدة الشعبية المليونية الصلبة المستعدة للدفاع عن الدولة وما حول الدولة والنظام من رمزيات روحية، جعل تشييع الخامنئي من أهم الرسائل إلى الخارج مفادها أن الاغتيالات لا تكسر أمة، فما بالك بالتضخم وارتفاع الأسعار والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. وها هو الشعب الإيراني الذي حُرّض على إسقاط النظام، يعلن فشل كل الحروب التي شُنّت عليه. وأن دولته قوية بمؤسساتها، وبالمدرسة ونقل العلوم والتكنولوجيا، وبمنظومة ثقافية حاكمة لا تتصادم مع ضمير هذه الكتلة الشعبية الصلبة وعقيدتها الدينية.
لقد شيّع الشعب الإيراني زعيمه، في معنى الاستفتاء على النظام ومشروعه.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |