|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 7 / 8
لا ينبغي فهم عبارة "يريدون خلق جيل من الضباع" بوصفها شتيمة أخلاقية أو مبالغة لغوية، بل باعتبارها توصيفا لمآل مشروع اجتماعي وسياسي يعيد تشكيل الإنسان وفق حاجات النظام الاقتصادي السائد. فالمسألة ليست أن المجتمع فقد أخلاقه فجأة، وإنما أن منظومة كاملة تعمل على إنتاج نموذج جديد من الإنسان: فرد معزول، شديد التنافس، ينظر إلى الآخرين باعتبارهم منافسين أو وسائل لتحقيق مصالحه، لا شركاء في بناء مستقبل مشترك.
لقد أدركت الرأسمالية المعاصرة، وخاصة في مرحلتها النيوليبرالية، أن السيطرة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل بإعادة تشكيل الوعي. فالمدرسة، والجامعة، والإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، لم تعد مجرد مؤسسات لنقل المعرفة أو الثقافة، بل أصبحت، بدرجات متفاوتة، فضاءات لإنتاج الفرد الذي يتماهى مع منطق السوق، ويعتبر المنافسة قانونا طبيعيا للحياة، والنجاح الفردي القيمة العليا التي تبرر كل الوسائل.
إن تراجع المدرسة العمومية ليس مجرد أزمة في الميزانية أو المناهج، بل هو جزء من إعادة هيكلة المجتمع. فحين تتحول المدرسة من فضاء لبناء المواطن إلى مؤسسة لإنتاج "رأس المال البشري"، يصبح التعليم مجرد استثمار اقتصادي، وتتحول المعرفة إلى سلعة، ويختزل الإنسان في كفاءته الإنتاجية، لا في وعيه النقدي أو مسؤوليته الاجتماعية.
وفي هذا السياق، لا يصنع "جيل الضباع" داخل الفصول الدراسية فقط، بل داخل مجتمع يعيد تعريف النجاح باعتباره قدرة على التفوق على الآخرين، لا معهم. مجتمع يكافئ الانتهازية ويسميها ذكاء، ويحول التضامن إلى سذاجة، والعمل الجماعي إلى ضعف، بينما يمجد الاستهلاك والثراء السريع باعتبارهما المقياس الوحيد للقيمة الاجتماعية.
إن ما يبدو انحلالا أخلاقيا ليس سوى انعكاس لانحلال البنية الاجتماعية نفسها. فالإنسان الذي يعيش في ظل البطالة، والهشاشة، وغلاء المعيشة، وغياب الأفق، يجد نفسه مدفوعا إلى خوض معركة يومية من أجل البقاء. وهنا تنجح النيوليبرالية في تحويل ضحاياها إلى متنافسين فيما بينهم، بدل أن يتحولوا إلى قوة اجتماعية تدافع عن مصالحها المشتركة. إنها تزرع الصراع الأفقي بين المقهورين حتى يبقى الصراع الحقيقي مع البنية المنتجة للقهر غائبًا عن الوعي.
ولذلك، فإن أخطر ما أنتجته النيوليبرالية ليس فقط الفقر أو اللامساواة، بل إعادة تشكيل الشخصية الإنسانية نفسها. شخصية ترى العالم كسوق، والعلاقات الإنسانية كصفقات، والسياسة كوسيلة لتحقيق المصالح الخاصة، والثقافة كسلعة للترفيه، والتعليم كأداة للحصول على وظيفة، لا كوسيلة لتحرير العقل.
ومع ذلك، فإن التاريخ لا يسير في اتجاه واحد. فكل نظام ينتج تناقضاته، وكل محاولة لتشييء الإنسان تفتح في الوقت نفسه إمكانات مقاومته. ومن هنا فإن الدفاع عن المدرسة العمومية، وعن الثقافة النقدية، وعن الإعلام الحر، وعن التنظيمات الديمقراطية والنقابية، ليس دفاعا عن مؤسسات معزولة، بل عن فكرة الإنسان نفسها، وعن حقه في أن يكون مواطنا لا مجرد مستهلك، وفاعلا اجتماعيا لا مجرد رقم في سوق العمل.
إن القضية، في النهاية، ليست قضية جيل بعينه، بل قضية مجتمع يراد له أن ينسى أن الإنسان كائن اجتماعي، وأن حريته لا تتحقق إلا بحرية الآخرين، وأن العدالة ليست عائقا أمام التقدم، بل شرطه الأساسي.
قد ينجح النظام في إنتاج أفراد يشبهون الضباع في سلوكهم، لكنه يعجز دائما عن إلغاء قدرة الإنسان على المقاومة، وعلى استعادة إنسانيته كلما أدرك أن ما يبدو قانونا طبيعيا للمنافسة ليس سوى نتاج نظام تاريخي قابل للنقد والتغيير. ولهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على التكيف مع الغابة، بل على بناء مجتمع لا يحتاج الإنسان فيه إلى أن يتحول إلى ضبع كي يعيش بكرامة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |