نافقاء المؤسسات

راقي نجم الدين
2026 / 7 / 8

هناك صناعة مزدهرة لا تدرس في كليات الإدارة ولا تسجل في الإحصاءات الاقتصادية، ومع ذلك تستهلك آلاف الساعات وآلاف الأوراق وآلاف أقداح الشاي كل عام. إنها صناعة الوهم.
الوهم الذي يبدأ بدعوة رسمية وجدول أعمال أنيق وقاعة مرتبة وعبارة مألوفة: «نود الاستماع إلى آرائكم». وما إن يجلس الجميع حتى يتبين أن الآراء ليست مطلوبة بل حضور أصحابها فقط.
تبدأ المسرحية. يتحدث أحدهم عن أهمية الشفافية ويؤكد آخر ضرورة الاستفادة من الخبرات ويقترح ثالث تشكيل لجنة فرعية لدراسة ما تمت دراسته أصلاً عشرات المرات. الجميع يؤدي دوره بإخلاص حتى يخيل إليك أن الأوسكار يجب أن يضيف فئة جديدة بعنوان: «أفضل أداء في اجتماع لا يغير شيئاً».
في نهاية المشهد يخرج الجميع كما دخلوا إلا الورق الذي يمتلئ بالأختام والتواقيع، وترفع الصور إلى فيسبوك وتكتب منشورات تشيد بروح التعاون وتبادل الآراء، بينما يواصل الواقع حياته كما لو أن الاجتماع لم يحدث أصلاً. لقد نجا الموضوع مرة أخرى من أي محاولة للإصلاح.
الأعجب من ذلك أن هذه الآلة لا تعمل لإنتاج الحلول بل لإنتاج الانطباعات. المطلوب ليس أن يكون القرار صحيحاً بل أن يبدو وكأنه مر بجميع المراحل الصحيحة.
وهذا بالضبط ما عرفته اللغة العربية منذ قرون طويلة، وإن لم تسمه يوماً بمصطلح حديث. فكلمة «النفاق» نفسها مأخوذة من «النافقاء»، أحد أبواب جحر اليربوع: باب ظاهر يرى منه ويراقب، وباب آخر خفي مموه لا يكاد يلحظ، يهرب منه الحيوان إن أُتي من الباب الأول. فالمنافق، في أصل اللغة، ليس فقط من يقول ما لا يعتقد، بل من يملك - حرفياً - بابين: باباً للعيون، وباباً للنجاة.
ومع مرور الوقت يصبح الجميع شركاء في اللعبة. بعضهم لأنه مقتنع وبعضهم لأنه مستفيد وبعضهم لأنه تعب من الاصطدام بجدار لا يتزحزح. فيتعلم الإنسان أن يقول ما لا يؤمن به وأن يناقش ما لا يملك تغييره وأن يصوت على ما حسم قبل أن يعرف بوجوده.
هكذا تتحول الخبرة إلى ديكور والكفاءة إلى قطعة أثاث تجمل القاعة والعقل إلى شاهد زور يوقع في أسفل الصفحة. فلا أحد يريد منك أن تفكر بل أن تمنح التفكير شهادة حضور.
إن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال بل سرقة المعنى. أن تسرق قيمة النقاش وأن يختطف دور الخبير وأن يتحول الاجتماع من وسيلة لاتخاذ القرار إلى وسيلة لتبرير قرار سبق اتخاذه. عندها لا يعود الكذب بحاجة إلى أن ينطق بل يكفيه أن يطبع شعار المؤسسة أعلى الصفحة ويترك بقية المهمة لمحضر الاجتماع.
وحين تتكرر هذه الطقوس سنوات طويلة، لا تموت المؤسسات لأنها اتخذت قرارات سيئة بل لأنها توقفت عن اتخاذ القرارات أصلاً. كل ما تفعله أنها تعيد إخراج المشهد نفسه بممثلين جدد وطاولة جديدة ومحضر جديد... وكذبة قديمة لا يجرؤ أحد على تسميتها باسمها.
اسمها: النفاق التنظيمي.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن