|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 7 / 8
يقول مكيافيلي إن الحاكم قد يضطر أحيانًا أن يُوَلِّيَ رجلًا قاسيًا، قادرًا، ويمنحه سلطات كاملة، لينجح هذا الوالي نجاحًا كبيرًا في توحيد البلاد وتنظيم الأمور فيها، خلال وقت قصير. إلا أن السلطة المتناهية غير مناسبة دائمًا، فقد تولِّدُ الكراهية في النفوس، وهو ما يستدعي تخفيف وطأتها بإنشاء دار مدنية للعدل. وإذا حصل وظهرت ملامح تولُّد الكراهية في نفوس المحكومين، يُفضل أن يُعلن الأمير للجميع أن ما اتخذ من إجراءات لم تكُن من أوامره وإنما بسبب ميول الولاة والوزراء الفظَّة، كي يُطهِّر نفوس الناس ويكسبها لصالحها. ولربما تكون هذه النصيحة المكيافيلية الأكثر استخدامًا وتوظيفًا حتى يوم الناس هذا، وعلى أرضية الأخذ بها وتطبيقاتها ظهر تعبير "مماسح الزَّفر" في واقعنا العربي، والأردن ليس استثناءً.
ويرى مكيافيلي، أن من أهم قواعد نجاح الحاكم معرفة كيف يكسب تأييد الرجال وكيف يقهرهم. وعلى كل من يظفر بإمارة جديدة أن يؤمن نفسه ضد أعدائه، وأن يكسب أصدقاء، وأن تكون له الغلبة بالقوة أو بالخديعة. وأن يحبه الشعب ويخشاه، حيث يسير جنوده خلفه ويحترموه. وأن يسحق من يستطيع أن يؤذيه، أو حتى من الممكن ان يؤذيه. وأن يستبدل بالقديم من الأوضاع كُلَّ ما هو حديث. وأن يكون صارمًا وشفوقًا في الوقت نفسه. وأن يكون كريم الخصال واسع المدارك. وأن يلغي نظام الجندية القديم، ويحل محله نظامًا جديدًا. وأن يحافظ على صداقته مع الملوك والأمراء بطريقة تُسعدهم وخاصة إذا فعلوا ما يفيده.
يخصص مكيافيلي فصلًا في كتابه لكيفية الوصول لمنصب الأمير، ولا يرى إلا أسلوبين لتحقيق ذلك، أولهما بالخديعة والأفعال المشينة الحقيرة، وثانيهما برضى المواطنين. ويستحضر مكيافيلي أنموذجين للظفر بمنصب الأمير، بأخذ الخصوم بالغدر وقتلهم. وأهم ما ينصح الأمير به اذا اضطر للجوء إلى أسلوب الخديعة والأفعال المشينة، "أن يخطط لجرائمه جميعها ليرتكبها مرة واحدة حتى لا يضطر للعودة إلى ارتكابها أو مثلها في وقت آخر. وأن يجري تغييرات جديدة، تؤكد للعامة حرصه على مصلحتهم ليكسبهم إلى صفه". ومن لا يفعل ذلك عن جُبن أو بناء على نصائح من حوله، سيفرض على نفسه أن يكون الخنجر في يده دائمًا. ولن يتمكن من الاعتماد على رعاياه، لأنهم لن يثقوا به بسبب كثرة مشكلاته وأخطائه. وإذا لم يكن من الأخطاء بُدُّ، فيُستحسن أن تكون دفعة واحدة، كي يكون تأثيرها أقل من واقعات متعددة تبقى آثارها ولا تزول بسرعة.
أما المزايا، فيجب تقديمها للرعايا على جُرعات، كي يستمتعوا بها ويشعروا بفائدتها.
ومن أهم نصائح ميكيافيلي للأمير أن يعيش وسط رعيته بطريقة لا يؤثر فيها حدوث حادث له، فيُخرجه عما عزم على التخطيط له سواء كان مؤلمًا أو سعيدًا. فالأمير لن يوفق في هذا الموقف إذا استخدم الشِّدَّةَ، وإن فعل الخير فلن يجني من وراء ذلك أي فائدة، لأنه سيؤخذ على أنه فعل اضطراري.
أما الوصول إلى الإمارة بناء على رغبة المواطنين، فيقول مكيافيلي أنه بدوره يعتمد على المكر يسانده حُسن الطالع. ويستطرد مكيافيلي، فيقول إن من يرفعه الشعب إلى منصب الأمير، يجد نفسه متفردًا والجميع في خدمته عدا نفر قليل. فالمعاملة العادلة (يقصد اتِّباع قيم العدل) لن تُرضي عنه طبقة النبلاء، مع أنها سترضي عامة الشعب. العامة يرضون بالعدل، بينما النبلاء يرغبون بالتعسف والبطش. الأمير لن يتأكد من أن شعبه يكرهه لكثرة عدده، لكن بمقدوره ذلك بالنسبة للنبلاء لأنهم قلَّة. وأسوأ ما يحدث للأمير من شعب يكرهه، هو ان يتخلى عنه. اما النبلاء فينشطون لمقاومته عندما يُعادونه، بالإضافة إلى تخليهم عنه. النبلاء بعيدو نظر أكثر من الشعب وأشد منه مكرًا، والكلام لمكيافيلي، وهم دائمًا قادرون على تخليص أنفسهم بالإنضمام إلى من يتوقعون له الغلبة في الوقت المناسب.
الأمير مضطر للعيش بين أفراد الشعب دون حاجة للطبقة الارستقراطية، فبإمكانه أن يُوجِدها، أو أن يقضي عليها في أي وقت، وأن يُحسن من مركزها في المجتمع أو أن يجردها منه كما يحلو له. أما النبلاء، فينصح مكيافيلي الأمير بالتعامل معهم بأسلوبين مختلفين، فإما حكمهم بطريقة تجعلهم يعتمدون عليك تمامًا، أو أن يُتركوا. فإذا ما كانوا محكومين تمامًا، ولم يُصِبْهم الجشع فعليك أيها الأمير أن تُكرمهم وتحبهم. أما من يبتعد عنك، فيجب معاملته بإحدى طريقتين: فإذا فعل ذلك إحجامًا وجُبنًا، فلا تخشاه في الضراء، ومن الممكن أن تستفيد من أهل الرأي من هؤلاء خاصة، كما انهم يشرفونك في السراء. أما المبتعدون عنك لغرض معين، فهذا يعني أنهم ذوو طموحات، وأنهم يفكرون في أنفسهم ولا يفكرون فيك. لذا، على الأمير أن يحترس منهم، ويُعدِّهُم أعداء غير ظاهرين يمكنهم المساهمة في سقوطه وقت الشِّدَّة.
في مجمل الأحوال، كما يرى مكيافيلي، على أي أمير ينصِّبه الشعب عليه أميرًا أن يُحافظ على محبته له مهما كلَّفه ذلك، وسيجد ذلك أمرًا سهلًا، فالشعب لا يريد سوى العدل. أما من يصل منصب الإمارة بواسطة النبلاء وضد إرادة الشعب، فعليه أولًا أن يسعى لنيل رضى الشعب عنه. وهو أمر سهل المنال، لو أنه دافع عن الشعب. فالناس لا ينسون فضل من لا يتوقعون منه إلا الشر، لذا يميلون نحوه بسرعة وسينال تأييدهم أسرع مما لو ارتفع لمنصب الأمير بمساعدتهم له. ويستطيع الأمير أن ينال رضى شعبه بطرق مختلفة باختلاف الظروف، وهي لا تخضع لقاعدة ثابتة ولن أتحدث عنها. ولا أستطيع أن أقول سوى أن يجب عليه كسب صداقة الشعب، وإلا فلن يجد لنفسه ملاذًا في حالة الخطر. يبدو أن الطغاة والاستبداديين والدكتاتوريين والمتسلطين، غالبًا ما ينسون هذه الجزئية الأخيرة من نصائح مكيافيلي للأمير، مع أن من يقرأ منهم نفترض أنهم يحرصون على قراءة الكتاب الذي نحن بصدده.
الشعب لا يخدع أميرًا يدعم ولايته له بالشجاعة والاستبسال، ويتميز بقوة القلب، على ما يرى مكيافيلي. أمير كهذا، بمستطاعه استنهاض شعبه بعد إرساء قواعد الولاية. وأخطر ما قد يحيق بالولايات، تحول الأمير من حاكم مدني إلى حاكم مستبد مُطلق(ليت المستبدون والدكتاتوريين يأخذون بهذه النصيحة). والحكام المستبدون المطلقون، إما أن يكونوا القادة أنفسهم أو وُلاتهم. هؤلاء الأخيرون، يستطيعون تجريد قادتهم من مُلكِهِم سواء عملوا ضدهم، أو خرجوا على طاعتهم، خاصة في أوقات الشِّدَّة. في هذه الأوقات، ليس بمستطاع الأمير أن يفرض سلطانه المُطلق، ذلك لأن المواطنين لن ينفذوا أوامره في حالة الطوارئ وهم الذين ألِفُوا تلقي الأوامر من الولاة.
في الظروف الصعبة، يحتاج الأمير إلى رجال يمكنه الاعتماد عليهم. فلا يمكن الاعتماد على ما يقطعه المحيطون به في أوقات الهدوء والأمن. والرعايا بحاجة للإمارة، ومستعدون للإعلان بأن حياتهم فداء للأمير ما دام الموت بعيدًا عنهم. لكن في ساعة العسرة، وحين تحتاج الدولة للمواطنين، لن يجد الأمير منهم في ذلك الوقت إلا القليل. ومثل هذه الحالة شديدة الخطر، لا تحدث إلا مرة واحدة.
وعليه، فالأمير الحكيم، كما يقول مكيافيلي، يجب عليه البحث عن وسائل تجعل رعاياه في حاجة مستمرة إلى حكومته. حينئذٍ سيخلصون الولاء له دائمًا.(يتبع).
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |