|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
يحيى الشيخ
2026 / 7 / 8
سأترك كل شيء على حاله وفي مكانه الطبيعي: في زهرية مطعمة بالخرز من أعمال حفيدتي، حزمة أقلام رصاص. أتذكر أنّي ألقيت في قعرها دبابيس للورق، وكنت كلما احتجت إلى دبوس لزمني قلب الزهرية لآخذ دبوساً واحداً، وغالباً ما أتركها مبعثرة... وقد سئمت اصطفافها واستسلامها لفم الزهرية الضيق.
الأشياء كما هي في العراء: الدبابيس، والأقلام، وزهرية الطفولة وكأنها في الذاكرة. تذكرني تلك الزهرية بقصص العجائز، اللواتي يقضين حياتهن يخطن الدانتيل ليوم عرس الحفيدات؛ يزركشن الفتاة لتكون مثلهن؛ عجوزاً في المستقبل.
بلا مبالاة ولا شعور بالمسؤولية تمارس الأشياء حياتها، وأنا يغمرني صوت ساكسفون ينوح.
لن أغادر قبل أن أحصي تركتي، التي قد لا يأبه بها أحد، ولا تثير اهتمامه... جلّ حياتنا، إن لم يكن كلها، لا معنى لها حين تتوقف؛ أن تكون بلا صوت ولا أثر؛ لكني على يقين بأن تلك الأشياء ستبقى متماسكة كما صنعتها، ووفية لمهمتها في الرسم والكتابة بعد غيابي.
لا يكف قلم الرصاص عن رسم خطٍّ أسود، والممحاة لا تكف عن محو هفواتنا.. ألسنا نكتب ونمحو؟
أنا قلمي، ومحبرتي، وريشة المعدن، ومنقاش الفولاذ، وحجر السَّنّ ذو الوجهين المتناقضين؛ نموذج الطبيعة المثالي وجمال بنيتها...
فما بال القلق لا يرتوي من دمي ويغادر !
إلى جانب الزهرية تلك، علبة خشبية فيها كل ما لا مكان مخصصاً له، ولا أين يوضع: بقايا قطع قوالب الفحم، وقوالب صبغة "سينكينا" التي يشبه لونها قشرة الكستناء، وقطع ممحاة، وبقايا شفرة، تنتظر أن أمد أصابعي لتجرحني.
ثمة لفائف ورق من القطن الخالص ناعمة وخشنة، وأوراق حريرية اغنى من الوان قوس قزح، ورقائق ذهب مخصصة للأيقونات الكنسية، وقماش، وأفكار لا وقت لي لتقليبها. كل ذلك لم تبلغ أهميته في ايامي اعظم من أهمية الخطوات في المساء، فلم يعد هناك ما هو أكثر أهمية من غيره... المشغل كله بما يحتويه —وقد نسيت أغلبه— لا يختلف مكانه عن مكان جلسة طويلة في الذاكرة، التي وحدها أصبحت معيار الضرورة.
تساءل زهرون: — كيف يتحدد مصير الإنسان من خارج نظام الأشياء؟
ولطالما قاومت الشعور بالفشل بدفع ثمنه الباهظ بخسارات ما كان ممكناً تجنبها؛ فإما الإذعان للشعور المسعور، أو تقديم الخسارة درءاً له. تجرّع السم كان الحل الأمثل لسقراط ليربح موتاً سعى إليه بنفسه... لقد اشتريت قوتي بثمن الخسارات، إنها جزية العمر الذي لم يعد فيه ما يحمي من غائلة الشعور بالاستسلام.
ولكن الاستسلام لمن؟ ولم أجد أمامي محارباً جسوراً عنيداً غير نفسي في فضاء أعزل! وبماذا أصف ساحة المعركة التي ترامت أطرافها من بساتين القرية الأم حتى مدينة قطبية لا أعرف فيها غير الشارع المؤدي إلى بيتي! مدينة وصلتها بعد مكابدة ومخاطر لا تليق بها، ومنها إلى عزلة على تخوم بحر أشد عزلة، تشهد عليها اسراب النوارس الناعقة.
ما الجدوى! وما هو مفهومها؟ بينما تختفي ضرورة المصير خلف فقدان صورته، ولم يبق غير الاذعان طوف نجاة ينقذ ما يمكن إنقاذه!
— ماذا تنقذ يا رجل؟ سأله قرينه
_ أنقذك أنت من عداوة نفسي وخرقها...
يبدو أن السؤال عن السكينة سؤالٌ ساذجٌ ينم عن جهل بطبيعة الأشياء التي عاشت معي واحداً وثمانين عاماً. فالسكينة معيار خفيف خفة الفكاهة، غير متوفرة في حياتي، وربما كانت في مكان قريب من التصديق، إنما فاتني الالتفات إليها وقد تركت الأمكنة خاوية ورائي.
الخوف الذي يسلب الناس الطمأنينة، لم يعد له صدى في روحي، فأنا لا أخاف! والأمل الذي يرتبط بالقلق الوجودي لم أتعاطه في حياتي؛ يقين (اللا جدوى) وحده أنقذني في البلدان الغريبة، وعبور الحدود بوثائق مزورة وأسماء لا أعرف أصلها، وفي محطات اللاجئين، وغرف التحقيق؛ خضتها بلا خوف ولا أمل.
(اللا جدوى) هو الخير الوحيد الذي وهبتني إياه السنين، لهذا أشتغل ليل نهار مثل حيوان الخلد تحت الأرض... ذلك اليقين المعادي لليقين سوّل لي معنى العمل المتواصل بلا أهداف واضحة ولا مستقبل.
تساءل القرين: — أي ملموسية في المرء غير اليقين، وأي خواء بدونه؟ وأية سكينة يفرزها غيابه؟
رد زهرون: — والله إنّي أشم رائحة عدم وقد فات أوان الهرب واختفت المسافات، فليس على سطح الأرض أكثر أهمية من موقع قدميّ الواهنتين المصابتين بالروماتزم... بهما أتدرب على المشي حافياً بطريقة تبث الرغبة بالعيش والتوازن فوق الهاوية الكبرى بلا منغصات ولا كوابيس ولا آلام.
تستيقظ بعد حلم وتروي عنه،
ربما تجسده في حياتك،
أو تسعى لتحقيقه،
فذلك بطولة يقال عنها: حقق حلمه!
أجمل الأحلام التي تُحكى،
وتُقرأ مثل طالع أو رؤيا...
في الموت كم حلماً سنحلم؟
ومن يقرأها لنا؟
ومن يحققها؟
"ومنذ الآن كلّ ما هو خارج عني فهو غريب" سأحمل معي هذه العبارة تعويذة ضد الأمل وخداع الخطوات إلى الأمام ... إنها مجرد خطوات يمكنها أن تكون في زنزانة! فلا شيء يمت لي بصلة وكأني سقطت من كوكب آخر، وإن كنت على الأرض صدفة، فهذا بفعل الجاذبية الكونية!
غرابة العالم تعود له وحده لا لتقديراتي، فالغربة فيّ تطرد ما عداها وكل ما هو غير مألوف بطبيعته، أو مألوفاً. القلق لا يساورني لفرط غربتي، ففي النهاية ستختفي المعالم كلها والتقديرات من فوق الأرض... بيد أن الخوف الأعظم هو ما سيواجهك من بعدي يا حبيبي! ويحزنني أشد الحزن أنك لم تفهم حتى اليوم بأن خطوط دفاعك لم تُخلق لحمايتي، إنما وُجدت لحماية نفسك.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |