|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 7 / 6
الفسادُ لا يحارب الفسادَ، بقدر صعوبة تصور أن تعض الأفعى بطنها. الفساد بارع في التلون حسب الظروف، وكذلك التخفي والمراوغة، لكنه لا يكافح نفسه بنفسه. قد يضطر الفساد أحيانًا إلى التضحية ببعض كباشه أو خِرافه، ولكن من قبيل ذر الرماد في العيون وأكل حلاوة في رؤوس لدى أصحابها قابلية الطيش على شبر ماء.
الفساد لا يُواجَه بعزل هذا الفاسد أو ذاك من منصبه، ولا يُكافح بهمبكات الاعلام المُدجَّن. الفساد يا سادة يا كرام منظومة متكاملة، تنتعش في أجواء عائلة الطغيان. ومن أفراد هذه العائلة، الذين استطيبوا الاقامة في ربوعنا العربية، الاستبداد والسلطوية وحكم الفرد المطلق. فالعلاقة بين هذا الثالوث والفساد علاقة تلازم، لا تنفصم عراها ومشروط زوال أحد طرفيها بغياب الآخر عن المسرح. هنا، يفرض نفسه أحد أهم مباديء الديمقراطية، ونعني على وجه التحديد اقتران المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة. كل من بيده سلطة يمارسها، يجب أن يخضع للمساءلة والمحاسبة.
لنكن صرحاء مع أنفسنا فلا نخدعها ولا يطيشنَّ بعضنا على شبر ماء، أو نؤخذ بالتصريحات العرمرمية ضد الفساد من دهاقنة الفساد أنفسهم. بلداننا العربية، والأردن ليس استثناء، لم تعرف بعد طريق التحول الديمقراطي الحقيقي. ولا مجال فيها حتى يوم الناس، لربط المسؤولية بالمساءلة والمحاسبة. إذن، النتيجة المنطقية التي لا يماري فيها عاقل، أن الفساد ينخر مفاصلها ويرتع فيها بلا رقيب أو حسيب.
في السياق أيضًا، نُذكِّر إن نفعت الذكرى أن الفساد وثيق الصِّلة بالثقافة. كيف، وما مقصودنا على وجهي الدقة والتحديد؟
كل ثقافة تغطي افقار الانسان وتجويعه وقهره بأقنعة من أي نوع كان، إنما توفر أرضية مناسبة جدًّا لتفشي الفساد.
اقناع المحرومين والبؤساء بأن ما يشْقون به قضاء وقدر، وليس نتيجة متوقعة لهدر المال العام في مشروعات فاشلة أو نهبه، إنما يغذي الفساد. ومثله أيضًا استغلال ثقافة السمع والطاعة، لتكريس الانصياع العبودي. وفي الاطار ذاته، تندرج أيضًا أفانين فقهاء السلاطين لتزييف وعي فقراء الناس وبسطائهم، وضبطهم.
نصوص الدين لا تنطق بذاتها، بل يستنطقها البشر، فضلًا عن أنها حمَّالة أوجه. ومن آكد الأمور أن للمُسْتَنطِقِيْن أهواء ومصالح وانحيازات.
في واقع هش، ذي اقتصاد ريعي ومكونات قَبَليَّة وعشائرية ومذهبية وطائفية، يجد فقهاء السلاطين بيئة مناسبة لاقناع الفقراء والبسطاء والعوام أن الفقر "قِسْمة ونصيب" وليس نتاج النهب والسياسات الفاشلة. والبطالة امتحان من السماء لاختبار قوة الايمان، وليس نتيجة بيع أصول الدولة ومؤسسات القطاع العام باسم التخاصية.
واقعنا مأزوم، من أظهر أدلة تأزمه تحويل الدين من دوره الروحي وطقوسه الايمانية إلى مؤسسة سياسية اجتماعية وجهاز حُكم. في بيئة كهذه، يُحال كل شيء إلى القضاء والقدر. ولا غرابة في واقع هذا حاله وصف التعدي على المال العام بأنه "لَحْلَحَة"، والنَّهب "شطارة". وقد يوصف الاثنان وغيرهما من ضروب الفساد، بأنهما "رِزْقٌ مُقدَّر".
أخيرًا، نعتقد أن تشخيص الداء يعادل ما لا يقل عن 60% من تحديد الدواء بصراحة وشفافية.
لكن السؤال المشروع تأسيسًا على ما تقدم، هل نحن في واقعنا القائم نحوز مقومات مكافحة حقيقية للفساد؟!
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |