|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 7 / 4
لم تعد السياسة الحديثة تُدار بالكلمات وحدها، بل أصبحت تُدار أيضًا بالرموز، والإشارات، والصور، والبروتوكولات التي تبدو في ظاهرها مجرد تفاصيل تنظيمية، بينما تحمل في باطنها رسائل قد تكون أبلغ من الخطب الرسمية. فترتيب المقاعد، وطريقة الاستقبال، ومكان الوقوف، وحتى ما يُقرأ في المناسبات الرسمية، كلها تتحول إلى لغة سياسية قائمة بذاتها، لأن الدول تعلم أن العالم لا يقرأ النصوص فقط، بل يقرأ ما وراء النصوص أيضًا.وفي هذا السياق، أثارت الرواية المتداولة بشأن تخصيص آيات قرآنية مختلفة للوفود المشاركة في مراسم العزاء بإيران نقاشًا واسعًا، ليس بسبب الآيات نفسها، فهي كلام الله الذي يعلو على كل تأويل سياسي، وإنما بسبب ما رآه كثيرون من دلالات في اختيار كل آية لكل وفد. فقد تداولت وسائل إعلام ومنصات مختلفة أن الوفد السعودي استُقبل بتلاوة قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا... فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾، بينما تُلي أمام وفد شيوخ العشائر العراقية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وأمام الوفد التركي قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ... عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾، وفي المقابل نُسب إلى وفدي حزب الله وحركة حماس اختيار آيات تحمل معاني الثناء والثبات والإيمان.وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية. فإذا كانت هذه الرواية صحيحة، فلماذا اختيرت هذه الآيات دون غيرها؟ وهل كان الاختيار مجرد مصادفة، أم أن البروتوكول أراد أن يتحدث بلغة الرمز؟ وإذا كان الأمر مجرد مصادفة، فلماذا جاءت الاختيارات على نحو فتح بابًا واسعًا أمام هذا الكم من التأويلات؟ أما إذا كانت مقصودة، فإن المشكلة لا تكمن في الآيات، بل في تحويل القرآن الكريم إلى وسيلة لإرسال رسائل سياسية بين الدول.إن القرآن لم ينزل ليكون قاموسًا للدبلوماسية، ولم يُنزَّل ليُستخدم في توصيف الحكومات أو الوفود أو الأنظمة السياسية. إنه كتاب هداية وعدل ورحمة، وكل محاولة لجرّه إلى ميدان الخصومات السياسية تُحمّله ما ليس من وظيفته. فالسياسة بطبيعتها متغيرة، أما النص المقدس فباقٍ، والسياسيون يذهبون، بينما تبقى الآيات تتلى إلى قيام الساعة، ولذلك فإن صيانة قدسية النصوص تقتضي ألا تُزج في صراعات المصالح والاصطفافات.إن أخطر ما في توظيف الرموز الدينية سياسيًا أنه لا يسيء إلى الخصم وحده، بل يفتح الباب أمام تحويل الدين إلى أداة للفرز السياسي، فيبدأ الناس بقراءة القرآن بعين الانقسام لا بعين الهداية. وعندئذٍ يصبح النص، الذي جاء ليجمع القلوب، مادةً جديدة للخلاف، ويُنظر إلى كل آية من زاوية الانتماء السياسي بدلًا من معناها الإيماني.الدول القوية لا تحتاج إلى الإيحاء بالإهانة كي تثبت حضورها، كما أن احترام الضيف لا يكون فقط بحسن الاستقبال، بل أيضًا بتجنب كل ما قد يُفهم على أنه رسالة ازدراء أو تصنيف. والدبلوماسية الراقية تقوم على الوضوح والاحترام، لا على الرموز التي تحتمل عشرات القراءات. ولهذا فإن أي بروتوكول رسمي يتضمن رموزًا دينية ينبغي أن يُصاغ بعناية بالغة، لأن أثره لا يقف عند حدود المناسبة، بل يمتد إلى صورة الدولة نفسها وإلى نظرة الآخرين إليها.إن القضية في جوهرها ليست آية من هنا أو آية من هناك، وإنما حدود العلاقة بين المقدس والسياسي. فحين يُستخدم النص الديني ليؤدي وظيفة سياسية، فإن الخاسر الأول هو هيبة النص، والخاسر الثاني هو السياسة نفسها، لأنها تستبدل الحوار بالإشارة، والوضوح بالإيحاء، والاحترام بالتأويل. وما أحوج منطقتنا اليوم إلى خطاب يعلي من قيمة الإنسان، ويصون قدسية الدين، ويجعل العلاقات بين الدول قائمة على المصارحة والاحترام، لا على رسائل رمزية قابلة للتفسير المتناقض.
إن القرآن أكبر من أن يُختزل في بروتوكول، وأسمى من أن يُستدعى ليحسم خصومة سياسية أو ليُفهم على أنه يصف هذا الوفد أو ذاك. وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذا الجدل، فهو أن النصوص المقدسة ينبغي أن تبقى فوق النزاعات، لأن قدسيتها لا تكتمل إلا حين تبقى بعيدة عن تقلبات السياسة ومصالح الحكومات، ولأن احترام القرآن يبدأ من الامتناع عن توظيفه في كل ما يثير الفرقة والالتباس بين المسلمين.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |