-سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا

سعد بن علال
2026 / 7 / 3

«"إنك قد تحرر شخصا من سجن حديدي، لكنك قد لا تحرره أبدا من السجن الذي يسكن عقله."
— دوريس ليسينغ»

ثمة كتب لا تغيّر أفكارنا بقدر ما تغير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. وكتاب سجون نختار أن نعيش فيها ينتمي إلى هذا الصنف النادر. فهو لا ينشغل بوصف أنظمة الاستبداد أو تقديم برنامج سياسي للتغيير، بل يوجه عدسته إلى المنطقة الأكثر تعقيدا في كل علاقة سلطة: الإنسان نفسه، حين يتحول إلى حامل للسلطة التي تقهره، ومدافع عن القيم التي تحدّ من حريته، ومشارك في إعادة إنتاج البنية التي تخضعه.

تكمن قوة الكتاب في أنه ينقل سؤال الحرية من المجال السياسي الضيق إلى المجال الثقافي والنفسي والاجتماعي، حيث لا يعود الاستبداد مجرد جهاز دولة أو مؤسسة قمعية، بل يصبح نمطا في التفكير، وعادة في الإدراك، ومنطقا في تفسير العالم. فالسلطة تبلغ ذروة نجاحها حين لا تحتاج إلى فرض الطاعة بالقوة، لأن الخاضعين يتولون بأنفسهم مهمة الدفاع عنها، ويعتبرونها جزءا من النظام الطبيعي للأشياء.

ومن هنا تكتسب قراءة الكتاب من منظور مادي تاريخي أهمية خاصة، ليس لأن ليسينغ كانت تكتب من داخل التقليد الماركسي، بل لأن كثيرا من الأسئلة التي تثيرها تلتقي مع الإشكالية المركزية التي شغلت النقد الماركسي منذ زمن طويل: لماذا تقبل الجماهير بالنظام الذي يستغلها؟ وكيف تتحول الهيمنة إلى قناعة داخلية، لا إلى مجرد علاقة إكراه خارجي؟

من القمع الخارجي إلى القمع الداخلي

تكشف ليسينغ أن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تمارس بالعنف المباشر، وإنما تلك التي تتحول إلى جزء من البنية النفسية للأفراد. فحين يتعلم الإنسان منذ طفولته أن الطاعة فضيلة، وأن الامتثال حكمة، وأن الاختلاف خطر، يصبح جهاز الرقابة الحقيقي مستقرًا داخل وعيه، لا خارج جسده.

وهنا يغدو السجن حالة ذهنية قبل أن يكون مؤسسة مادية. فالسجين قد يغادر زنزانته، لكنه يظل يحمل أسوارها معه، يعيد بناءها في علاقاته وأفكاره وخياراته اليومية. وهذا ما يفسر استمرار أنماط الخضوع حتى بعد سقوط كثير من الأنظمة أو تغير الحكومات؛ إذ إن البنية الذهنية التي أنتجت تلك الأنظمة تظل قائمة، وتواصل إنتاجها بأشكال جديدة.

إن السلطة الحديثة لا تحكم الناس فقط عبر الشرطة أو القضاء، بل عبر المدرسة والإعلام والسوق والعائلة والثقافة السائدة، حيث يُعاد تشكيل الوعي تدريجيًا حتى يصبح الامتثال يبدو وكأنه قرار شخصي، لا نتيجة عملية اجتماعية طويلة ومعقدة.

الإيديولوجيا بوصفها سجنًا غير مرئي

ليست الإيديولوجيا مجرد مجموعة أفكار سياسية، بل هي، في معناها الأعمق، الطريقة التي يبدو بها العالم طبيعيًا رغم أنه نتاج علاقات تاريخية قابلة للتغيير. وهنا يلتقي تحليل ليسينغ مع أحد أهم أسئلة النقد الاجتماعي: كيف يتحول التاريخ إلى طبيعة؟ وكيف يصبح ما هو مؤقت وكأنه قدر أبدي؟

فالناس لا يدافعون عادة عن النظام لأنه يخدم مصالحهم المباشرة، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على تخيل عالم آخر. وهذه هي اللحظة التي تبلغ فيها الهيمنة ذروتها: عندما يُختزل الممكن في الموجود، ويُنظر إلى كل بديل باعتباره فوضى أو خيالًا أو تهديدًا.

إن السجن الحقيقي ليس الجدران، بل اختفاء القدرة على تخيل الحرية.

سيكولوجيا الجماعة والخوف من الاختلاف

من أكثر أفكار الكتاب عمقا تحليل ميل الإنسان إلى الاحتماء بالجماعة، حتى عندما تكون الجماعة مخطئة. فالانتماء يمنح الأمان، لكنه قد ينتزع الاستقلال الفكري. ولهذا كثيرًا ما يفضّل الفرد أن يكرر ما يقوله الجميع، بدل أن يغامر بالدفاع عن فكرة يعتقد بصحتها.

هذه الآلية لا تخص الأنظمة السلطوية وحدها، بل تمتد إلى الأحزاب، والنقابات، والمؤسسات الدينية، والجامعات، وحتى الحركات الاحتجاجية نفسها. فكل جماعة تحمل داخلها ميلا دائما إلى إنتاج الأرثوذكسية الخاصة بها، وإقصاء المختلف باسم الوحدة أو الانضباط أو المصلحة العامة.

ومن هنا يصبح التفكير النقدي فعل مقاومة، لأنه يرفض تحويل الحقيقة إلى ملكية جماعية، أو تحويل الانتماء إلى بديل عن البرهان.

الرأسمالية وإنتاج السجون الجديدة

إذا كانت ليسينغ ركزت على السجون النفسية والثقافية، فإن القراءة المادية التاريخية تسمح بتوسيع هذا التحليل نحو الرأسمالية المعاصرة، التي لم تعد تعتمد أساسًا على المنع، بل على الإغراء.

فالإنسان اليوم لا يُقاد فقط بالخوف، بل أيضا بالرغبة. تصنع له احتياجات لا تنتهي، وتقدم له الحرية باعتبارها قدرة على الاستهلاك، ويقاس نجاحه بما يملك لا بما يبدع، وتتحول المنافسة إلى قانون أخلاقي، والفردانية إلى فضيلة، والعزلة إلى أسلوب حياة.

وهكذا تبنى سجون جديدة بلا قضبان: سجن الصورة، وسجن النجاح الفردي، وسجن الخوف من الفشل، وسجن المقارنة الدائمة، وسجن السوق الذي يحول حتى الأحلام والعلاقات الإنسانية إلى سلع قابلة للتبادل.

إن أخطر ما في الرأسمالية المعاصرة أنها تجعل الإنسان يشعر بأنه حر، بينما تتحكم في خياراته عبر آليات تبدو غير مرئية.

الوعي النقدي بين الفرد والتاريخ

لا تدعو ليسينغ إلى بطولة فردية معزولة، بل إلى يقظة عقلية ترفض الاستسلام للمسلّمات. غير أن هذه اليقظة، في القراءة المادية، لا يمكن أن تكتمل إذا بقيت تجربة فردية فقط.

فالتحرر الحقيقي لا يتحقق بمجرد تغيير الأفكار، كما لا يتحقق بمجرد تغيير المؤسسات. إنه نتاج العلاقة الجدلية بين تحول الوعي وتحول الواقع المادي. فالناس يغيرون العالم، لكنهم يتغيرون أيضا أثناء عملية تغييره.

ولهذا فإن الوعي النقدي ليس نهاية الصراع، بل بدايته. إنه اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن ما كان يعتبره قدرًا ليس سوى بناء تاريخي، وأن ما يبدو طبيعيًا اليوم قد يصبح غدًا مجرد ذكرى.

خاتمة: أصعب الثورات هي تلك التي تبدأ داخل العقل

تكمن القيمة الفكرية الكبرى لكتاب "سجون نختار أن نعيش فيها" في أنه يذكّرنا بأن معركة الحرية لا تبدأ عند أبواب السجون، ولا تنتهي عند تغيير الحكومات. إنها تبدأ عندما نشك في الأفكار التي تبدو أكثر بداهة، وفي العادات التي نظنها طبيعية، وفي الخوف الذي نسميه حكمة، وفي الطاعة التي نسميها مسؤولية.

فالسلطة تستطيع أن تبني السجون، لكنها تحتاج دائمًا إلى من يسكنها طوعًا. والهيمنة لا تستقر لأنها تملك القوة وحدها، بل لأنها تنجح في إنتاج الرضا، وتطبيع الامتثال، وإقناع الإنسان بأن حدوده هي حدود العالم نفسه.

ولعل السؤال الذي يتركه الكتاب مفتوحًا ليس: من يقمعنا؟ بل: ما الذي يجعلنا نتواطأ، أحيانا دون وعي، مع ما يقمعنا؟ وعندما يصبح هذا السؤال جزءا من وعينا اليومي، تكون أولى لبنات التحرر قد وضعت، لأن كل ثورة حقيقية تبدأ بانهيار السجن الذي بني داخل العقل، قبل أن تمتد إلى تغيير العالم.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن