أنموذجات من لامعقول السياسات الرسمية العربية

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 7 / 3

كأن اللغة على وشك اعلان تقاصر قدرة مخزونها اللفظي على التعبير عن محددات السياسات الرسمية العربية، في التعامل مع تطورات الصراع مع العدو الصهيوني.
قبل توقيع ما بات يُعرف بالاتفاق الاطاري بين لبنان والكيان، كرَّر مجرم الحرب النتن ياهو أكثر من مرة، أن ايران حاولت فرض الانسحاب على اسرائيل من جنوب لبنان. وهذا صحيح، حيث تنص مذكرة التفاهم بين ايران وأميركا على شمول لبنان بوقف اطلاق النار وانسحاب جيش العدو. لكن بعد توقيع "الاطاري"، أعلن النتن ياهو ووزير حربه كاتس استمرار البقاء في جنوب لبنان ما لم يُنزع سلاح حزب الله، وهما لا ريب يعلمان صعوبة حصول ذلك إلى حد الاستحالة. وذهب النتن إلى الاعلان بصراحة عن موافقة أميركية ورسمية لبنانية، على بقاء جيشه في جنوب لبنان. وتروج حكومة الفاشية الدينية الصهيونية للاتفاق، على أنه من أهم انجازاتها.
فهل يُعقل أن تحاول ايران فرض الانسحاب من لبنان على العدو باعتراف النتن ياهو نفسه، بينما السلطة اللبنانية تُشَرعن احتلال جزء من وطنها؟!
من لبنان والاتفاق الاطاري نعود إلى النكبة، أي حرب 1948، بعد اعلان زرع الكيان في فلسطين. فقد وَقَرَ في الأذهان لزمن طويل أن الجيوش العربية دخلت فلسطين "لتحريرها"، أو على الأقل لفرض حل لصالح العرب. لكن وثائق بدأت تظهر مُعزَّزة بشهادات مشاركين في الحرب، تؤكد أن بعض الأنظمة فرضت قيودًا على حركة وحداتها العسكرية، بحيث يقتصر وجودها واشتباكها عند الضرورة مع العدو في مناطق ستُعرف لاحقًا بالضفة الغربية أو الأراضي المحتلة سنة 1967. أما السبب، فمرتبط بـ"اتفاقات وتفاهمات" من تحت الطاولة لا أظننا بحاجة إلى تحديد مع من.
أقل ما يُقال في سلوك كهذا مع عدو استعماري توسعي احلالي، مثل "اسرائيل"، أنه ينهض دليلًا على الجهل والغباء وقُصر النظر.
كما بات معلومًا، لم يكن بمقدور المشروع الصهيوني احتلال فلسطين دفعة واحدة، ففعل ذلك على مراحل أبرزها نكبة 1948 وهزيمة جيوش الأنظمة العربية في حزيران 1967. بالانتقال إلى هذه الهزيمة، نجد في وثائق اسرائيلية أُفرِجَ عنها وتناولها الراحل محمد حسنين هيكل في سلسلة مقالات نشرها في مجلة وجهات نظر، ما يضع العقل في الكف. فقد كانت الأوامر الصادرة لجيش العدو التوقف عند جبل لبنى في سيناء، بغض النظر عن نتائج الغارات على المطارات العسكرية المصرية. ولقد كان بإمكان الجيش المصري الصمود والتصدي لجيش العدو رغم تلك الضربة، بشهادة عسكريين كبار. لكن من المسؤول عن اصدار أوامر الانسحاب العشوائي الفوضوي من سيناء ونتائجه المأساوية، فلا جواب حتى يوم الناس هذا. وتؤكد مصادر مطلعة، أنه جرى الاتصال بأنظمة عربية عُرفت بضجيجها العالي ومزايداتها الصاخبة، لاعتراض طائرات العدو العائدة من الأجواء المصرية بلا ذخيرة وبالامكان تدمير الكثير منها، لكن الرد كان "طائراتنا في مهمات تدريبية" !
أما في حرب 1973، فقد فاجأ المصريون العالمَ وربما أنفسهم بتدمير خط بارليف في سيناء، وتكبيد العدو خسائر كبيرة خلال ساعات في الأرواح والمعدات. وعلى الجبهة السورية تقدم الجيش السوري في الجولان، ووصلت طلائع جنوده مشارف هضبة الجولان المُطلَّة على بحيرة طبريا. أُصيب الكيان بحالة ذُعر غير مسبوق، وتملك قياداته شعور بدنو الأجل. ويؤكد هنري كيسينجر في مذكراته أنها كادت تكون نهاية "اسرائيل"، لولا الدعم الأميركي المفتوح. وتذكر غولدامائير في مذكراتها، أنها بكت عندما رأت طائرات النقل الأميركية الضخمة تحط في مطار اللد محمَّلة بأحدث الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية.
لكن مسارات الحرب لم تلبث أن تحولت في صالح العدو، بعد ثغرة الدفرسوار في سيناء خاصة.
يؤكد الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري آنذاك في مذكراته، أن الثغرة كان من الممكن ألا تكون، لو تُرك الأمر للعسكريين كما يُفترض من دون تدخلات المستوى السياسي، وبشكل خاص الرئيس الراحل أنور السادات وفرض رؤاه. وما أسرع ما تأكد خطلها، حيث كانت النتيجة محاصرة الجيشين الثاني والثالث المصريَّين وباقي القصة معروف.
ومن حرب 1973 إلى ما يُسمى "مفاوضات السلام"، بعد مسرحية مدريد سنة 1991. بعض الأنظمة أصدرت توجيهاتها لأعضاء وفدها بصريح العبارة: "أنتم ذاهبون للتوقيع وليس للتفاوض". هذا يعني أن الاتفاقيات الفعلية أُبرمت خلف الكواليس في غرف مغلقة،، ولم يبقَ سوى التوقيع. أما النتائج، فأقرب ما تكون إلى صكوك تنازل واذعان باسم السلام. وفي هذا تأكيد على أن الأنظمة المجتلبة للمشاركة في مؤتمر مدريد بالعصا والجزرة الأميركيَّتين، قد دابرت أهم قواعد التفاوض بين الخصوم منذ فجر التاريخ، ومفادها أن مدفعيتك على الأرض تحدد ما تحصل عليه بالتفاوض. فكيف عندما تفاوض، من دون مدفعية، عدوًّا مثل "اسرائيل"؟!!!
الوفد الفلسطيني بقيادة الشخصية الوطنية النقية الوفية لقضية شعبها، الراحل الدكتور حيدر عبدالشافي، كان يفاوض عن جد بينما "اللعب" الحقيقي كان في أوسلو. والمحصلة، اتفاق يُنسب إلى الراحل ياسر عرفات نفسه القول بشأنه "إنه اتفاق خياني، لكن مطلوب منا توقيعه". وقد سمع كاتب هذه السطور تسجيلًا للرئيس محمود عباس بالصوت والصورة، يقول بالحرف: "اتفاق أوسلو خياني، لكن بدنا نحافظ عليه".
نكتفي بهذا القَدَر من أنموذجات السياسات الرسمية العربية وفظاعاتها، والمخفي أعظم.
هنا، تتعطل لغة الكلام وتكف نظريات علم السياسة عن أداء دورها في التفسير والتعليل. ولم يتبقَّ غير مقاربات السَّحَرَة، عسى الحظ يسعفهم في فك "طلاسم" السياسات الرسمية العربية المتعلقة بالصراع مع الكيان الشاذ اللقيط. وعلى وجه التحديد، تلك التي أوردنا أنموذجات منها وما يشاكلها.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن