الأبعاد السياسية في شعر محمد مهدي الجواهري: دراسة تحليلية

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 7 / 1

الأبعاد السياسية في شعر محمد مهدي الجواهري: دراسة تحليلية.
الملخص
يُعدّ محمد مهدي الجواهري (1899-1997) أحد أبرز شعراء العربية في العصر الحديث، وأكثرهم التزاماً بالقضايا السياسية والوطنية. امتدت حياته قرابة القرن، وعايش فيها التحولات السياسية الكبرى التي شهدها العراق والعالم العربي، من ثورة العشرين إلى حكم البعث، مروراً بالملكية والحزب الشيوعي. لم يكن الجواهري شاعراً سياسياً بالمعنى الضيق للكلمة، بل كان فاعلاً في الحدث السياسي ومحرّكاً رئيسياً له. تناولت هذه الدراسة الأبعاد السياسية في شعر الجواهري بالتحليل والوصف، معتمدةً على المصادر الأكاديمية والمراجع الموثوقة، للكشف عن تجليات الخطاب السياسي في شعره، وأبرزها: البعد الحجاجي، والرفض السياسي، ومقاومة الاستبداد، وثنائية الوطن والمنفى، وموقفه من السلطة والأحزاب. كما تتبع البحث البنية الأسلوبية التي ميزت خطابه السياسي، ليخلص إلى أن شعر الجواهري يمثل وثيقة أدبية ناطقة بالوعي السياسي وناقدة للسلطة من موقع المثقف المقاوم.

مقدمة
محمد مهدي الجواهري، المولود في النجف عام 1899، نشأ في أسرة علمية دينية عريقة، لكنه انحاز مبكراً إلى الشعر والنضال السياسي. عاش الجواهري حياةً حافلة بالمتاعب والمصائب، فاعتقل وحبس ونفي وعاش غريباً في بلده وفي خارج بلده، ومات غريباً ودفن في مقبرة الغرباء بسوريا. وقد قاده موقفه السياسي المناوئ للأنظمة الحاكمة إلى مغادرة العراق عام 1961، ليقضي سنوات طويلة في المنفى.
تكمن أهمية دراسة الأبعاد السياسية في شعر الجواهري في كونه يمثل نموذجاً فريداً للشعر الملتزم الذي جعل من القضايا السياسية محوراً أساسياً في نتاجه الإبداعي. فقد "اتسم خطابه السياسي بخصائص وظيفية متعددة، من أبرزها: التحريض على الوعي والمقاومة، فضح التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة السياسية، والانتصار لقيم الحرية والعدالة والكرامة". وقد شكل وعيه السياسي في خضم التناقض الحاد بين الشعب العراقي والسلطة، وأصبح التغيير هاجسه ومصدر قلقه الدائم.

أولاً: البعد الحجاجي في الخطاب السياسي
يمثل البعد الحجاجي في الخطاب السياسي عند الجواهري أحد المرتكزات الجوهرية التي تميز تجربته الشعرية، إذ تتجاوز قصائده الجانب الجمالي إلى أداء وظيفة إقناعية، تهدف إلى التأثير في المتلقي، وتوجيه الوعي الجماعي نحو قضايا الأمة ومشكلاتها. ينطلق الجواهري في خطابه السياسي من رؤية نقدية للواقع الاجتماعي والسياسي، يوظف من خلالها آليات الحجاج بوصفها وسيلة لعرض القضايا، وتفنيد المواقف، وبناء مشروعية فكرية وموقفية ضد الاستبداد والقمع والفساد.
ويتجلى الحجاج في شعره من خلال اعتماد أساليب متنوعة كالتضاد، والتكرار، والاستفهام الإنكاري، إضافة إلى استحضار الرموز التاريخية والدينية، مما يمنح خطابه بعداً تأصيلياً يعزز صدقيته لدى المتلقي. ويستند حجاجه إلى ثلاثة مكونات أساسية: بناء المصداقية من خلال موقعه كشاعر ملتزم ومثقف عضوي؛ وتحريك العاطفة عبر اللغة الانفعالية والصور البلاغية؛ ثم الاستناد إلى المنطق والحجج العقلية عبر الاستشهاد بالوقائع والتاريخ.
إن الخطاب الحجاجي في شعر الجواهري ليس مجرد موقف احتجاجي، بل هو مشروع شعري/فكري يسعى إلى مساءلة الواقع وتفكيك البنى السلطوية. وقد حمل شعره مقصديات سياسية متعددة: جماهيرية، وأخلاقية، وتعبوية، وتوثيقية، جعلت منه صوتاً للمهمشين والثوار.

ثانياً: الرفض السياسي بوصفه جوهر التجربة
يمثل الرفض السياسي السمة الأبرز في شعر الجواهري، بل هو جوهر تجربته الشعرية بأسرها. فقد عاش الجواهري "حالة الرفض الكبيرة التي خطت له كثيراً من ملامح حياته، فعمد إلى رسم واقع المجتمع المتردي، وما هو عليه من وهن وخور". وكان هذا الرفض "الدافع الأهم – بالنسبة للشاعر – لإعلان رفضه المطلق لكل أنواع الخضوع والتهاون في سبيل تحقيق الحريات".
وقد تجلى الرفض السياسي في شعر الجواهري من خلال عدة أنماط:
أولاً: رفض الاستبداد والقمع. واجه الجواهري الأنظمة الحاكمة بجرأة نادرة، فلم يخشَ السجن ولا النفي ولا الإعدام. وقد "حورب في فكره وعيشه ورزقه"، لكنه ظل متمسكاً بمواقفه، معبراً عن رفضه للظلم بأعلى صوته "الذي تصطك منه المسامع، وتتعرى به الحقائق عن كل ما يغلفها من زيف وخداع".
ثانياً: رفض التطبيع مع الاحتلال. لم يكن الجواهري بعيداً عن قضايا الأمة الكبرى، فقد انتدب نفسه لمواجهة "الاختراق الإمبريالي والصهيوني، سواء على صعيد الاختراق الإمبريالي والصهيوني، أم على مستوى الأنظمة الحاكمة".
ثالثاً: رفض الخضوع والانبطاح. طبع الجواهري شعره "بطابع الثورة والمعركة الكبيرة في سبيل تحرير الإنسان من العبودية"، داعياً إلى الكرامة والحرية ورفض الذل والهوان.

ثالثاً: مقاومة الاستبداد وهجاء السلطة
تميز شعر الجواهري بموقف نقدي حاد من الأنظمة الحاكمة، سواء في العهد الملكي أو الجمهوري. فقد "تتعدد دواعي الاغتراب" في شعره، لتعكس واقعاً عربياً تعاني شعوبه من "حالة اغتراب، لأنها مسلوبة من حق المواطنة وحقوق الإنسان وغياب العدالة والديمقراطية".
وقد عبّر الجواهري عن هذا الموقف النقدي من خلال:
• فضح التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة السياسية: حيث كشف زيف الوعود الرسمية وتناقضها مع واقع الناس.
• نقد سياسات الملوك والرؤساء: تناولت الدراسات الأكاديمية شعر الجواهري حول الملوك والرؤساء، مسلطة الضوء على مواقفه النقدية منهم.
• كشف ممارسات الحزب الشيوعي: لم يكتفِ الجواهري بنقد الأنظمة الملكية والجمهورية، بل تجاوزها إلى نقد الأحزاب، ومنها الحزب الشيوعي، مما يعكس استقلالية موقفه النقدي.

رابعاً: ثنائية الوطن والمنفى بوصفها بعداً سياسياً
شكلت ثنائية الوطن والمنفى محوراً رئيسياً في شعر الجواهري، ولم تكن مجرد حالة عاطفية، بل كانت بعداً سياسياً عميقاً. فقد "وصل حال بعض الشعراء، لا سيما المحدثين والمعاصرين، إلى أن يعيشوا تجربة النفي بعيداً عن أوطانهم لأسباب متنوعة، غلبت عليها الدوافع السياسية".
وقد انعكس هذا النفي في شعر الجواهري الذي "صوّر منفاهم بشيء من الألم والأسى، حيث عبّروا عن معاناتهم وأسباب نفيهم أحياناً بشكل صريح". لكن المنفى لم يكن مجرد ألم، بل تحول إلى ساحة للصراع السياسي، حيث "بدأوا ينظرون إلى أوطانهم من زاوية المنفى، فرأوها بهيئة المعشوق الذي يوقظ القلب شوقاً وحنيناً".
وتتجلى الأبعاد السياسية لهذه الثنائية في:
• المنفى نتيجة المواقف السياسية: كان نفى الجواهري نتيجة مباشرة لمواقفه الرافضة، مما جعل تجربة المنفى امتداداً للنضال السياسي.
• الوطن قضية وليس مجرد مكان: تحول الوطن في شعر الجواهري من مجرد جغرافيا إلى قضية سياسية وجودية، تعكس صراع الأمة مع الاستبداد والاحتلال.
• الاغتراب الداخلي: عاش الجواهري "غريباً في بلده"، مما يعكس اغتراباً سياسياً قبل أن يكون اغتراباً مكانياً.

خامساً: البنية الأسلوبية للخطاب السياسي
تميز الخطاب السياسي في شعر الجواهري بخصائص أسلوبية فريدة، جعلته أكثر تأثيراً وانتشاراً. فقد اتسم "شعره بالصدق العاطفي والنفَس القوي القادر على التأثير، مع عذوبة في الأسلوب وصفاء في التعبير". وقد وظف الجواهري أساليب بلاغية متنوعة في خدمة أغراضه السياسية، منها:
• التكرار: للتأكيد على الأفكار السياسية وترسيخها في ذهن المتلقي.
• التضاد: لكشف التناقضات بين خطاب السلطة وممارساتها.
• الاستفهام الإنكاري: لتوجيه النقد بشكل غير مباشر وإثارة وعي المتلقي.
• استحضار الرموز التاريخية والدينية: لإضفاء شرعية تاريخية على مواقفه السياسية.
• توظيف التعبيرات القرآنية: إذ تعد "من الظواهر البارزة في شعر الجواهري السياسي" حيث اقتبس تعبيرات اصطلاحية من القرآن الكريم ووظفها في الشؤون السياسية.
كما استخدم الجواهري السخرية أحياناً كأداة نقدية، حيث "تقوم القصيدة على تفكيك خطاب السلطة عبر صور مثل زبد الوعود "، مما يعكس وعياً نقدياً عميقاً بآليات الخطاب السلطوي.

سادساً: الجواهري مثقفاً عضوياً وشاعراً ملتزماً
يتجاوز الدور السياسي للجواهري حدود الشعر إلى مفهوم المثقف العضوي. فقد "كان الجواهري فاعلاً في الحدث السياسي ومحركاً رئيسياً"، ولم يكن شعره مجرد تعبير عن مواقف سياسية، بل كان أداة للتغيير والتحريض. وقد "عمق المزاج الثوري الذي رافق الشاعر منذ صباه وهو يواجه أحداثاً سياسية كبرى، إحساسه بضرورة التغيير والمواجهة الفعلية".
وقد جسد الجواهري نموذج المثقف المقاوم الذي "ينتمي بروحه وأسلوبه إلى نخبة فريدة مثل امرئ القيس والنابغة وطرفة وأبي تمام والمتنبي والمعري، لكنه تميز بانتمائه إلى عصره الحديث". وهذا الانتماء إلى العصر الحديث تجلى في وعيه السياسي وقدرته على ترجمة القضايا السياسية المعاصرة إلى لغة شعرية مؤثرة.

خاتمة
يمثل الشعر السياسي عند محمد مهدي الجواهري أكثر من مجرد غرض شعري؛ إنه جوهر تجربته الإبداعية ومرآة وعيه النضالي. لقد حمل شعره أبعاداً سياسية متعددة: حجاجية تهدف إلى الإقناع والتأثير، ورفضية تعبر عن التمرد على كل أشكال الظلم، ونقدية تكشف زيف الخطاب الرسمي وتناقضاته، ووجودية تعكس صراع الإنسان مع السلطة والقدر، وأسلوبية تجعل من اللغة أداة للمقاومة. وقد جعل الجواهري من الشعر سلاحاً في معركة التحرر والنهضة، مؤكداً مكانته كأحد أبرز شعراء السياسة والالتزام في الأدب العربي الحديث. وإذا كانت حياته قد امتلأت بالنفي والاغتراب والألم، فإن شعره بقي شاهداً على أن الكلمة قد تكون أقوى من السجن، وأن الشاعر الملتزم قد يغير وعي الأمة وإن لم يغير واقعها.

قائمة المراجع
الدراسات الأكاديمية المحكمة:
1. أحمد، عبير عبدالوهاب، وموسى، صاحب رشيد. "البُعد السياسي للخطاب الحجاجي في شعر الجواهري (دراسة تحليلية)". مجلة مركز بابل للدراسات الإنسانية، جامعة بابل، 2026. DOI: 10.66026/s6s0hf07
2. البحري، أحمد. "السياسي والقصدية - الخطاب الشعري لدى محمد مهدي الجواهري أنموذجا - دراسة تداولية". مجلة بنك للدراسات، 2026
3. الحلاق، رائد. "جدلية الوطن والمنفى في شعر الجواهريّ". مجلة بوابة الباحثين للدراسات والأبحاث، مج1، ع1، 2024، ص ص 1-30. DOI: 10.64337/rgj.v1i1.2
4. الصعب، أحمد. "الغربة في شعر الجواهري (دراسة تحليلية)". مجلة اللغة العربية وآدابها، جامعة الكوفة - كلية الآداب، ع16، 2013. DOI: 10.36318/jall/2013/v1.i16.6888
5. أنصاري بور، رحيم. "دراسة نقدية لشعر محمد مهدي الجواهري حول الملوك والرؤساء والحزب الشيوعي". مجلة الكلية الإسلامية الجامعة، ع57، 2020، ص ص 643-664. DOI: 10.51837/0827-000-057-057
الدراسات والمراجع الثانوية:
6. "الرفض في شعر الجواهري من أنماطه وتجلياته". جامعة أبي بكر، الجزائر
7. نيك پناه، منصور. "تجسيد الوضع السياسي للعراق في شعر الجواهري". مجلة الجامعة الإسلامية، 2024
8. ميرزايي الحسيني. "توظيف التعبيرات القرآنية في الأشعار السياسية لدى محمد مهدي الجواهري". مجلة الجامعة الإسلامية، 2018
9. "الجواهري.. المتمرد السياسي". الجزيرة نت، 21 أغسطس 2019
10. يحيى، فرحان. أزمة المواطنة في شعر الجواهري: دراسة تحليلية في ضوء المنهج التكاملي. دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2001
المصادر التوثيقية:
11. "محمد مهدي الجواهري". ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
12.
تنبيه منهجي: هذا البحث معتمد على مصادر أكاديمية محكمة ومصادر توثيقية موثوقة. يُوصى بالرجوع إلى النصوص الأصلية للدراسات المشار إليها للاطلاع على التفاصيل الكاملة والمنهجيات المستخدمة في كل دراسة، ولا سيما دراسة عبير عبدالوهاب أحمد وصاحب رشيد موسى "البُعد السياسي للخطاب الحجاجي في شعر الجواهري"، ودراسة رائد الحلاق "جدلية الوطن والمنفى في شعر الجواهريّ"، واللتين تُعدّان من المراجع الأكاديمية الأهم في هذا المجال.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن