لا تُعلّقوا الوطن على باب اللص.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 30

في البلدان التي تحترم نفسها، عندما تصل يد القانون إلى متهم، ينشغل الناس بالسؤال عن الحقيقة، أما عندنا فإن الحقيقة تُؤجل، وتبدأ حفلة البيانات. فجأة تتكاثر الأصوات، وتنتشر بيانات الاستنكار كما ينتشر الدخان فوق مدينة محترقة، وكأن الوطن هو الذي ارتكب الجريمة، لا من تُثار حوله الشبهات. يتحول المتهم إلى بطلٍ أسطوري، وتُنسج حوله قصص الوفاء، ويصبح الاقتراب منه اقترابًا من "المقدسات"، بينما يُعامل القانون كأنه خصم ينبغي إسقاطه لا مؤسسة ينبغي احترامها.يا للعجب... ما أسهل أن يصبح المال العام يتيمًا، وما أصعب أن يجد من يدافع عنه. آلاف البيانات تُكتب دفاعًا عن الأشخاص، لكن أين البيان الذي كُتب دفاعًا عن مدرسة لم تُبنَ؟ أو مستشفى بقي بلا دواء؟ أو طفل نام جائعًا لأن أموال وطنه لم تصل إليه؟ يبدو أن خزائن الدولة لا تجد عشيرة تدافع عنها، بينما يجد كل متهم جيشًا من المبررين قبل أن تتكلم الأدلة.ثم يخرج من يقول: "إنه مريض." وكأن المرض صار شهادة حسن سيرة وسلوك، أو كأن الألم الجسدي يُسقط حق المجتمع في معرفة الحقيقة. نعم، المريض يُعالج، ويجب أن يُصان حقه الإنساني وكرامته، لكن العلاج لا يُلغي المحاسبة إذا ثبتت المسؤولية، كما أن البراءة لا تُمنح بالشفقة بل بالأدلة. فالعدالة لا تفحص ضغط الدم، بل تفحص الوقائع.إن أخطر الأمراض ليس ما يصيب الجسد، بل ما يصيب الضمير حين يعتاد تبرير الخطأ لأنه صادر من قريب أو صاحب نفوذ أو ابن عشيرة أو حزب. عندها يصبح الفساد عادة، ويصبح الدفاع عنه تقليدًا، ويصبح الوطن هو المريض الحقيقي، لأنه يُنزف كل يوم بينما يتجادل الناس حول أسماء النازفين لا حول النزيف نفسه.العشيرة التي تثق بابنها لا تخشى القضاء، بل تطالب به. لأنها تعلم أن القضاء العادل هو الطريق الوحيد لإظهار الحقيقة، فإن كان بريئًا خرج مرفوع الرأس، وإن ثبتت مسؤوليته فلا يجوز أن تتحول العصبية إلى سور يحجب العدالة. أما أن يُرفع صوت التهديد أو التشكيك أو الضغط كلما اقترب القانون من أحد، فذلك لا يحمي الكرامة، بل يضعف الدولة التي تحمي الجميع.لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط حين يظهر فيها فاسد، وإنما تسقط حين يتحول الفاسد إلى قضية شرف، ويصبح الدفاع عنه عنوانًا للنخوة، ويُنظر إلى مساءلته وكأنها اعتداء على الجماعة كلها. وهنا ينقلب ميزان القيم؛ فيُلام من يطالب بالمحاسبة، ويُصفق لمن يعرقلها.
ليس المطلوب أن نصفق لكل اعتقال، ولا أن نحكم على أحد قبل القضاء، فذلك ظلم أيضًا. المطلوب أن نكف عن صناعة الأبطال من رحم الاتهامات، وأن نترك العدالة تؤدي عملها بعيدًا عن الضغوط والضجيج. فمن كان بريئًا سينصفه القانون، ومن كان مذنبًا فلن تُغيّر الحقيقة كثرة البيانات.إن الوطن لا يحتاج إلى بيانات استنكار كلما طُرق باب متهم، بل يحتاج إلى بيان واحد يوقعه الجميع، يقول: لا أحد أكبر من القانون، ولا أحد أصغر من العدالة، ولا أحد يملك حق تحويل الانتماء إلى حصانة، أو المرض إلى ذريعة، أو العصبية إلى بديل عن القضاء.فإذا بلغنا هذه القناعة، عندها فقط لن يكون السؤال: من الذي اعتُقل؟ بل سيكون السؤال الأهم: هل انتصرت العدالة؟ لأن الأوطان لا تُقاس بعدد من يدافعون عن الأشخاص، بل بعدد من يدافعون عن الحقيقة، ولو كانت مُرّة.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن