|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 6 / 30
شهد قطاع التعليم العالي في ليبيا طفرة كمّية في عدد مؤسساته؛ لا سيما في مرحلة ما بعد سنة 2014، تجسدت في تضاعف عدد الجامعات الحكومية والخاصة بشكل غير مسبوق. ومع ذلك، فإن هذا التوسع الأفقي المتسارع الذي خضع في كثير من الأحيان لضغوط وموازنات مناطقية وقبلية، أو لغياب الرؤية الاستراتيجية في قطاع التعليم الخاص طرح تساؤلاً جوهرياً حول الجدوى التنموية لهذه الزيادة. فبينما كانت ليبيا تضم نحو 13 جامعة حكومية رئيسية، وعدد محدود من المؤسسات الخاصة، قفز هذا العدد ليتجاوز 28 جامعة حكومية ومئات الكليات الفرعية، في حين تضخم قطاع التعليم الخاص ليتجاوز حاجز 100 مؤسسة تعليمية بين معتمدة وقيد الاعتماد. وتضع هذه الطفرة الرقمية المنظومة الأكاديمية أمام معضلة بنيوية: هل تعكس هذه الوفرة استجابة فعلية لمتطلبات التنمية المستدامة وسوق العمل، أم أنها مجرد تمدد كمي يفتقر إلى معايير الجودة والاعتماد المؤسسي والبرامجي؟
يرتبط التعليم الجامعي تاريخيًا بمسار الحراك الاجتماعي والتنمية المستدامة، إلا أن المشهد الأكاديمي الليبي بعد سنة 2014بات محكومًا بمتغيرات طارئة أزاحت التخطيط الاستراتيجي المستقبلي لصالح الترضيات الآنية. لقد أفرزت التحولات السياسية والاجتماعية ضغوطاً مناطقية ومحاصصات قبلية أسهمت في انفجار مفاجئ لعدد الجامعات الحكومية بنسبة بلغت 100% خلال العقد الأخير، توازى معها نمو عشوائي غير منضبط في قطاع التعليم الخاص دون دراسات حقيقية لجدوى استيعاب الخريجين في سوق العمل.ولم يتوقف الإرباك البنيوي عند حدود هذا التوسع الكمي الأفقي، بل تغلغل في المنظومة التشريعية والحاكمة لعمليات التقييم والاعتماد. فقد واكب هذا التضاعف المتسارع تبدلات متلاحقة في معايير الجودة الوطنية خلال فترة زمنية وجيزة (2010، ثم 2012، ثم 2016، وصولاً إلى أدلة 2023)، مما يعكس حالة عميقة من عدم الاستقرار المؤسسي والتشريعي، ويجعل البحث في الأثر الحقيقي لتطبيق الجودة ضرورة ملحة لحماية القيمة العلمية للشهادات الأكاديمية ونجاعة فاعليتها المجتمعية.
وما زاد المشهد تعقيدًا هو الانقسام الإداري والجغرافي الذي طال السلطة السيادية المناط بها منح الاعتماد؛ إذ تفكك المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية إلى ثلاثة مراكز متفرقة في (طرابلس، وأجدابيا، وسبها — والأخير لا يزال غير مفعل)، مما أدى إلى غياب مرجعية معيارية موحدة. وكنتيجة حتمية لتداخل هذه المتغيرات الطارئة، أُصيبت الإدارات الجامعية الليبية بالإرباك الهيكلي، مما أعجزها عن بناء خطط تحسين استراتيجية طويلة الأجل. ومن ثمَّ، انحرفت ممارسات الجودة والاعتماد الأكاديمي في جُلّ المؤسسات عن جوهرها التطويري، لتتحول إلى مجرد ملاحقة لمتطلبات ورقية واستيفاء لإجراءات شكلية بيروقراطية تتغير وتتبدل مع كل قرار إداري جديد؛ بدلاً من أن تترسخ كـثقافة مؤسسية حية تُترجم أثرها داخل القاعات الدراسية وتنعكس على مخرجات البحث العلمي. لقد تضافرت هذه العوامل لتُجهض الأثر الحقيقي المستهدف من تفعيل آليات الجودة في ليبيا؛ إذ اختُزلت المنظومة في مظاهر احتفالية بنيل شعار الاعتماد أو الحصول على صكوك ورقية، بينما بقيت المناهج الأكاديمية راكدة دون تحديث، واستمرت استراتيجيات التدريس والتقويم على نمطها التقليدي. ويتجلى هذا القصور البنيوي بوضوح في عجز الجامعات الحكومية عن إدارة الأزمات؛ إذ لم تستفد هذه المؤسسات من المنعطف التاريخي الذي فرضته جائحة كورونا لتطوير بيئات التعلم الرقمي والتعليم عن بُعد. وفي المقابل، سارعت أنظمة التعليم العالي في دول مجاورة (مثل مصر والأردن) إلى مأسسة وإلزام برامجها الجامعية بإدماج التعليم الهجين والافتراضي بوصفه جزءًا أصيلاً من خططها الدراسية وبنسب محددة، لضمان مرونة وجودة بنيتها التحتية الرقمية في مواجهة أي طوارئ مستقبلية.
إن هذا الدمج في التجارب الإقليمية المحيطة لم يكن مجرد إجراء احترازي مؤقت، بل ممارسة إستراتيجية استهدفت إكساب الطلبة وأعضاء هيئة التدريس مهارات المواطن الرقمية ومواكبة التحولات المعرفية المعاصرة. وهو، بالمنظور الإجرائي، يمثل المضمون الحقيقي الفاعل للجودة الذي لا يزال مغيبًا في أروقة الجامعات الحكومية الليبية. وعلى الرغم من إطلاق حكومة الوحدة الوطنية لإستراتيجية وطنية للتحول الرقمي، فإن هذه الخطط لا تزال تفتقر إلى الأطر التنفيذية والآليات التشغيلية الكفيلة بترجمة مستهدفاتها داخل المنظومة الأكاديمية بوضوح. وفي سياقٍ متصل، تبرز مساع حثيثة ومقدّرة من قِبل المجلس الوطني للتطوير الاقتصادي والاجتماعي تهدف إلى ردم الفجوة بين الجامعة والمجتمع، وإدماج المؤسسات الأكاديمية في البرامج التنموية لاسيما في مجال صياغة السياسات العامة وتشكيل فرق فنية لمتابعة هذا التكامُل على أرض الواقع. ومع ذلك، فإن هذه المبادرات ستظل تدور في حلقة مفرغة ما لم تتوفر إرادة سياسية حازمة وموحدة، قادرة على إحداث نقلة نوعية تنتقل بملف الجودة والاعتماد من مرحلة الاستيفاء المستندي الروتيني إلى أثر تنموي مستدام ينعكس على بنية المجتمع. إن العبور نحو المستقبل يتطلب اليوم مراجعة شجاعة وشاملة للسياسات التعليمية القائمة، وإعادة هندسة معايير الاعتماد لتتمحور حول قياس الأثر والإنتاجية بدلاً من الاكتفاء بالتدقيق البيروقراطي في نمطية الوثائق. فالجودة الحقيقية في علم الاجتماع التربوي لا تُقاس بحجم الملفات المودعة، بل بمدى انعكاسها على جودة بيئة التعليم والتعلم، وقدرة البحث العلمي الابتكارية على تقديم حلول للأزمات الوطنية، ومدى فاعلية الجامعة كرافعة للحراك الاجتماعي والتنمية الشاملة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |