سلافيانسك وكراماتورسك: معركة الجغرافيا والتاريخ والهوية في قلب دونباس

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 29

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

29 حزيران يونيو 2026

من حصون القياصرة إلى خطوط النار ... لماذا تحتل المدينتان مكانة مركزية في الحرب الأوكرانية؟

في مقال مطول نشره الكاتب الروسي إيليا كنورينغ بتاريخ 22 يونيو/حزيران 2026 على موقع «ريغنوم»، تحت عنوان «ملح الأرض الروسية.. سلافيانسك وكراماتورسك إرث تاريخي لروسيا»، يقدم الكاتب قراءة تاريخية وسياسية وعسكرية للمدينتين الواقعتين شمال غربي دونيتسك، واضعاً المعركة الدائرة حولهما في إطار أوسع من مجرد العمليات العسكرية الجارية، إذ يربط بين الحاضر المشتعل وبين قرون من التاريخ الإمبراطوري الروسي والتطور الصناعي السوفياتي والصراع السياسي الذي أعقب إنهيار الإتحاد السوفياتي.
المقال لا يكتفي بتوصيف التقدم العسكري الروسي نحو سلافيانسك وكراماتورسك، بل يحاول تأسيس رواية تاريخية متكاملة تعتبر المدينتين جزءاً من «الأرض الروسية التاريخية»، ويرى أن إستعادتهما تمثل تتويجاً لمسار بدأ منذ أحداث عام 2014. وفي المقابل، تثير هذه الرؤية نقاشات واسعة حول التاريخ والهوية والسيادة الوطنية، ما يجعل النص مادة غنية للتحليل السياسي والتاريخي.

العقدة العسكرية الأخيرة في دونباس

ينطلق الكاتب من الواقع الميداني الحالي، حيث يصف التقدم الروسي بإتجاه سلافيانسك وكراماتورسك بعد الإقتراب من السيطرة على كونستانتينوفكا.
ويعتبر أن: «التجمع الحضري الممتد من سلافيانسك إلى كراماتورسك ودروجبكوفكا وكونستانتينوفكا يمثل آخر موطئ قدم كبير للقوات الأوكرانية في دونباس.»
ومن وجهة نظر المقال، فإن سقوط هذا التجمع الحضري سيعني إكتمال السيطرة الروسية على كامل أراضي جمهورية دونيتسك الشعبية التي أعلنت الإنضمام إلى موسكو عام 2022.
ويُقدَّم هذا الهدف بإعتباره: «ضرورة إستراتيجية وتنفيذاً لإلتزام تاريخي تجاه سكان دونباس.»
غير أن هذا الطرح يعكس السردية الروسية، بينما ترى كييف والدول الغربية أن المناطق المذكورة جزء من الأراضي الأوكرانية المعترف بها دولياً، ما يجعل المعركة ذات أبعاد سياسية وقانونية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

سلافيانسك: مدينة ولدت من الملح والحروب الحدودية

يخصص المقال مساحة واسعة لتاريخ سلافيانسك، مؤكداً أن جذورها تعود إلى القرن السادس عشر خلال عهد القيصر إيفان الرهيب.
ففي تلك الفترة كانت ضفاف نهر تور، المعروف حالياً باسم كازيونني توريتس، منطقة حدودية خطرة تتعرض لغارات متكررة من تتار القرم.
وكانت أهميتها الإقتصادية نابعة من إستخراج الملح.
ويصف الكاتب المنطقة قائلاً: «كانت ضفاف تور بحق ملح الأرض الروسية.»
ويرى أن المستوطنين القادمين من مدن روسية قديمة مثل ريلسك وبوتيفل لعبوا دوراً رئيسياً في إستيطان المنطقة وحمايتها.
ومع مرور الوقت نشأت تحصينات وقلاع لحماية المنتجين والتجار، ثم تطورت إلى بلدة محصنة تضم عشرات المدافع والأسوار الدفاعية.

بين التمردات القوزاقية والسلطة القيصرية

يركز المقال على الصراعات التي شهدتها المنطقة خلال القرن السابع عشر.
فقد تعرضت التحصينات للتدمير أثناء تمرد الهيتمان إيفان بريوخوفيتسكي ضد السلطة الروسية عام 1668، قبل أن يعاد بناؤها لاحقاً بأمر من القيصر أليكسي ميخايلوفيتش.
ويورد الكاتب مثالاً رمزياً على ذلك قائلاً: «من برج موسكو الأعلى كان الحراس يراقبون الأخطار القادمة من السهوب.»
كما يشير إلى فشل قوات المتمرد سيميون دراني في إقتحام المدينة خلال إنتفاضة كوندراتي بولافين مطلع القرن الثامن عشر.
ومن خلال هذه الأمثلة يحاول الكاتب إظهار إستمرارية الوجود الروسي في المنطقة عبر القرون.
ومن المفيد هنا الإشارة إلى أن دونباس، الذي كان جزءاً من الإمبراطورية الروسية حتى ثورة عام 1917، لم يصبح تابعاً للجمهورية السوفيتية الأوكرانية بقرار يعود إلى الحقبة القيصرية، بل نتيجة ترتيبات إدارية وسياسية إتخذتها القيادة البلشفية بقيادة فلاديمير لينين خلال الحرب الأهلية الروسية عام 1919، قبل تثبيت هذا الوضع عند تأسيس الإتحاد السوفياتي عام 1922. ومنذ ذلك الحين بقي الإقليم ضمن حدود الجمهورية السوفياتية الأوكرانية، ثم أصبح جزءاً من الدولة الأوكرانية المستقلة بعد تفكك الإتحاد السوفياتي عام 1991، وهو ما يفسر جانباً من الجدل التاريخي والسياسي الذي يحيط بالمنطقة حتى اليوم، إذ تستند موسكو إلى جذور الإقليم الروسية السابقة، بينما تتمسك كييف والمجتمع الدولي بالحدود الدولية التي ورثتها أوكرانيا عند إستقلالها.

كيف حصلت سلافيانسك على اسمها؟

واحدة من أكثر النقاط التاريخية إثارة في المقال تتعلق بأصل اسم سلافيانسك.
فالكاتب يوضح أن الاسم لم يكن مخصصاً أصلاً للمدينة الحالية، بل كان مقرراً أن يمنح لمدينة أخرى على نهر دنيبر.
لكن الإمبراطورة كاثرين الثانية، في إطار مشروعها المعروف بـ«المشروع اليوناني»، فضلت منح المدن الجديدة أسماء ذات طابع يوناني مثل: سيفاستوبول، سيمفيروبول، ماريوبول وخيرسون.
وبالتالي نُقل إسم سلافيانسك إلى مدينة تور القديمة.
ويستشهد الكاتب بعبارة منسوبة إلى الإمبراطورة: «إننا بهذا الإسم نحيي تلك التسميات الشهيرة التي حفظها التاريخ الروسي منذ أعماق العصور.»
ويُستخدم هذا الحدث في المقال كدليل إضافي على الإرتباط التاريخي بين المدينة والإمبراطورية الروسية.


من منتجع علاجي إلى مركز صناعي

لا يقتصر تاريخ سلافيانسك على التحصينات والحروب.
ففي القرن التاسع عشر أكتُشفت الخصائص العلاجية لبحيراتها المالحة، وأصبحت المدينة منتجعاً صحياً معروفاً.
وينقل الكاتب وصفاً للأديب أنطون تشيخوف الذي زار المدينة عام 1887: «المنازل تطل بوداعة، والشوارع واسعة، وفي الهواء عبق الليلك والأكاسيا.»
لكن الصورة الهادئة سرعان ما تغيرت مع التصنيع المتسارع.
فبحلول نهاية القرن التاسع عشر كانت المدينة تضم: مصانع للحديد، مصانع للطوب، عشرات منشآت إستخراج الملح، وشبكات إتصالات حديثة.
وهكذا تحولت من مركز محلي صغير إلى مدينة صناعية مهمة.

كراماتورسك: ولادة مدينة الصناعة الثقيلة

على خلاف سلافيانسك، يؤكد المقال أن كراماتورسك مدينة حديثة نسبياً.
فنشأتها الحقيقية ارتعبطت بتوسع شبكة السكك الحديدية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ويشير الكاتب إلى أن: «الحاجة إلى فحم دونباس دفعت الإمبراطورية الروسية إلى بناء خطوط النقل التي أنشأت كراماتورسك الحديثة.»
ومع الحقبة السوفياتية تحولت المدينة إلى أحد أكبر مراكز الصناعات الهندسية في البلاد.
ومن أبرز مؤسساتها: مصنع كراماتورسك القديم، مصنع كراماتورسك الجديد للآلات،
ومعهد الهندسة الميكانيكية.
وقد أصبحت المدينة رمزاً للصناعة الثقيلة السوفياتية.


الإحتلال النازي وذاكرة الحرب الوطنية العظمى

يمنح المقال أهمية كبيرة لفترة الحرب العالمية الثانية.
فقد دخلت القوات الألمانية سلافيانسك عام 1941، وتعرض السكان لعمليات قتل جماعي نفذتها وحدات خاصة نازية.
ويشير الكاتب إلى: «مقتل أكثر من ألف رجل وامرأة وطفل خلال أسابيع قليلة من الإحتلال.»
كما يسلط الضوء على نشاط الأنصاري - حركة المقاومة السوفياتية بقيادة ميخائيل كارناوخوف.
وبعد معارك عنيفة إستعادت القوات السوفياتية المدينة نهائياً عام 1943.
ويستخدم الكاتب هذه المرحلة لتأكيد فكرة التضحية المشتركة والذاكرة التاريخية السوفياتية التي ما زالت حاضرة بقوة في الخطاب الروسي المعاصر.

إنهيار الإتحاد السوفياتي وبداية التحول الكبير

يرى المقال أن تسعينيات القرن الماضي شكلت مرحلة صعبة للمدينتين.
فإنهيار الإتحاد السوفياتي أدى إلى: تفكك الأسواق الصناعية التقليدية، تراجع الإنتاج، الخصخصة الواسعة، صعود الجريمة المنظمة.
ويصف الكاتب الحدود الجديدة بين روسيا وأوكرانيا بأنها: «حدود مصطنعة فصلت دونباس عن فضائه الإقتصادي الطبيعي.»
وهو توصيف يعكس رؤية سياسية روسية معاصرة، إذ تعتبر أوكرانيا هذه الحدود إمتداداً لسيادتها الوطنية المعترف بها دولياً.


سلافيانسك وكراماتورسك في أحداث 2014

يحتل عام 2014 موقعاً مركزياً في المقال.
فبحسب الكاتب، كانت سلافيانسك أول مدينة شهدت مقاومة مسلحة واسعة ضد السلطات الجديدة في كييف بعد أحداث الميدان.
ويصف المواجهات الأولى قائلاً: «في سلافيانسك إنطلقت الشرارة الأولى للمقاومة الحقيقية.»
كما يتحدث عن حوادث جرى خلالها الإستيلاء على آليات عسكرية أوكرانية وإنضمام بعض الجنود إلى قوات الإنفصاليين.
لكن المقال يعترف أيضاً بأن قوات جمهورية دونيتسك الشعبية إضطرت في النهاية إلى الإنسحاب من سلافيانسك وكراماتورسك في يوليو 2014 أمام التفوق العسكري الأوكراني.


الحرب الحالية: صراع على الأرض أم على التاريخ؟

النقطة الأهم في المقال تتمثل في محاولة الربط بين التاريخ والحاضر.
فالكاتب لا ينظر إلى المعركة الحالية بإعتبارها مواجهة عسكرية فحسب، بل يعتبرها: «إستكمالاً لنضال بدأ قبل أكثر من اثني عشر عاماً.»
بل إنه يذهب أبعد من ذلك حين يربطها بتاريخ يمتد لعدة قرون من الوجود الروسي في المنطقة.
وهنا تكمن القيمة التحليلية للنص؛ فهو يكشف كيف تُستخدم الذاكرة التاريخية في تشكيل السرديات السياسية المعاصرة.
فالجانب الروسي يستند إلى الإرث الإمبراطوري والسوفياتي وإلى الإستفتاءات التي جرت في دونباس لصالح الإنضمام إلى روسيا.
أما الجانب الأوكراني فيستند إلى مبادئ السيادة الوطنية والحدود الدولية المعترف بها وحق الدولة في الحفاظ على وحدة أراضيها، بينما أصدر البرلمان قوانين تمنع الشعب الروسي الذي يعيش في تلك المناطق من الحديث والدراسة بلغته الام.

خلاصة

يقدم إيليا كنورينغ في مقاله المنشور بتاريخ 22 يونيو 2026 قراءة متكاملة لسلافيانسك وكراماتورسك بإعتبارهما أكثر من مجرد مدينتين على خط الجبهة. فهما، وفق رؤيته، رمز لتاريخ طويل من الإنتماء الروسي والتطور الصناعي السوفياتي والمقاومة المسلحة منذ عام 2014.
ومع ذلك، فإن أهمية المقال لا تكمن فقط في المعلومات التاريخية التي يعرضها، بل في كشفه للطريقة التي تُبنى بها السردية الروسية للحرب الحالية؛ حيث تمتزج الجغرافيا بالذاكرة، والتاريخ بالسياسة، والهوية الوطنية بالاعتبارات العسكرية.
وبينما تستمر المعارك حول سلافيانسك وكراماتورسك، تبقى المدينتان مثالاً واضحاً على أن الحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضاً بالروايات التاريخية المتنافسة، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات أن الماضي يقف إلى جانبه بقدر ما يفعل الحاضر.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن