اضرب جذور الفساد لينهض الوطن.

حامد الضبياني
2026 / 6 / 28

ليست المعضلة في العراق أن الفساد وُجد، فالفساد ولد مع أول شهوة للسلطة وأول يد امتدت إلى المال العام، وإنما المعضلة الحقيقية أن يتحول الفساد إلى دولة داخل الدولة، وأن يصبح اللص أكثر اطمئنانًا من الفقير، وأن ينام من بدد ثروات البلاد قرير العين بينما يسهر الأب وهو يبحث عن دواء لطفله، أو ماء نظيف لبيته، أو فرصة عمل تحفظ كرامته. عندها لا يعود الصمت فضيلة، بل يتحول إلى شريك خفي في الجريمة، لأن السكوت الطويل يمنح الفاسد إحساسًا بأنه فوق العدالة، وأن الشعب قد اعتاد وجعه حتى صار الألم جزءًا من حياته اليومية.إن الشعوب لا تثور لأن الخبز نقص يومًا، وإنما تثور حين تشعر أن من سرق خبزها لا يزال يحتفل على موائدها، وأن من نهب مستقبل أطفالها ما زال يتحدث عن الوطنية بوجه لا يعرف الخجل. فالوطن ليس خطابًا يلقى في المناسبات، ولا علمًا يرفع فوق المنصات، بل هو مدرسة تبنى، ومستشفى يعالج، ومزرعة تنتج، ومصنع يدور، ونهر يجري بلا تلوث، ومدينة تنام على ضوء الكهرباء لا على وهج المولدات، وكرامة لا تباع في مزاد المصالح.لقد أرهقت العقود الماضية العراقيين حتى أصبح المواطن يقيس الزمن بعدد الوعود الكاذبة لا بعدد السنوات، وصار يحفظ أسماء المشاريع المتوقفة أكثر مما يحفظ أسماء المدن، بينما تتراكم الثروات في جيوب قلة جعلت من الدولة مزرعة خاصة، ومن المنصب غنيمة، ومن المال العام إرثًا شخصيًا لا يخضع لضمير ولا لقانون. وهنا لا يكون الإصلاح الحقيقي بملاحقة الضعفاء أو تقديم صغار الموظفين قرابين للرأي العام، بل يبدأ من القمة، من كل من منح نفسه حق العبث بمقدرات الناس، لأن العدالة التي تخشى أصحاب النفوذ ليست عدالة، بل صورة باهتة لها.وليس المطلوب انتقامًا، فالانتقام يبني دورة جديدة من الكراهية، أما العدالة فتبني دولة. المطلوب أن يكون القانون أرفع من الأسماء، وأقوى من الأحزاب، وأشد صلابة من العلاقات الشخصية، فلا صداقة تحمي فاسدًا، ولا قرابة تعفي سارقًا، ولا نفوذ يشتري براءة لم يستحقها. فالدولة التي تحترم نفسها لا تساوم على أموال شعبها، ولا تفاوض على حق الفقراء، ولا تجعل خزائنها غنيمة لمن أتقن لعبة المصالح.إن المال الذي سلب من قوت العراقيين ليس أرقامًا في دفاتر المحاسبة، بل هو أعمار ضاعت، وقرى هجرت، وشباب هاجروا، وأطفال حرموا من تعليم يليق ببلد كان يومًا منارات العلم والحضارة. وكل دينار يعود إلى خزينة الدولة هو خطوة نحو استعادة الثقة، وكل فاسد يمثل أمام القضاء هو رسالة تقول إن العراق لم يمت، وإن العدالة قد تتأخر لكنها لا ينبغي أن تغيب.إن الأمم لا تنهض بالخوف، بل بالشجاعة الأخلاقية، ولا تستعيد هيبتها إلا عندما يدرك كل مسؤول أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الشعب ليس ذاكرة قصيرة كما يظن البعض، بل ذاكرة تتراكم فيها الآلام حتى تتحول إلى إرادة لا تقهر. وما من وطن استطاع أن يكتب فصلاً جديدًا من تاريخه إلا بعدما أغلق صفحة الإفلات من العقاب، لأن القانون إذا فقد هيبته، فقدت الدولة روحها.العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى أفعال تعيد للناس ثقتهم بأن العدالة ليست حبرًا على الورق، وأن ثروة البلاد وجدت لأبنائها جميعًا، لا لفئة احتكرتها باسم السياسة. وحين يصبح القضاء ميزانًا لا يميل، وحين تستعاد الأموال المنهوبة، وحين يعلم كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الوطن أن الحساب آتٍ لا محالة، عندها فقط سيبدأ العراق بكتابة تاريخه الجديد، لا بالحبر، بل بكرامة شعبه، وبإرادة رجال ونساء يؤمنون أن الوطن لا يباع، وأن الأمانة لا تورث، وأن الدولة العادلة هي وحدها القادرة على تحويل الألم الطويل إلى مستقبل يستحقه العراقيون.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن