الثاني والعشرون من يونيو بين الذاكرة والتاريخ: كيف يقرأ أليكسي بوبروفسكي الحرب الوطنية العظمى في ضوء الصراع الجيوسياسي الراهن؟

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 27

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

27 حزيران يونيو 2026


من ذكرى الغزو النازي إلى أسئلة الحاضر

في مقال نشره الكاتب والمحلل الاقتصادي الروسي أليكسي بوبروفسكي بتاريخ 21 يونيو/حزيران 2026، عشية الذكرى الخامسة والثمانين للهجوم الألماني على الإتحاد السوفياتي، يقدم قراءة سياسية وتاريخية تربط بين أحداث عام 1941 وبين البيئة الدولية المعاصرة. ولا يكتفي الكاتب بإستعادة الذاكرة الوطنية الروسية المرتبطة بالحرب الوطنية العظمى، بل يحاول توظيفها لفهم طبيعة المواجهة الجيوسياسية الحالية بين روسيا والغرب.
ينطلق أليكسي بوبروفسكي من حقيقة رمزية عميقة في الوعي الروسي، حين يذكّر «في 22 يونيو 1941 هاجم الرايخ الأوروبي الأول بلادنا»، معتبرًا أن الحرب الوطنية العظمى تشكل حجر الزاوية في التاريخ الروسي الحديث. ويستخدم الكاتب تعبير «الرايخ الأوروبي الأول» بوصفه توصيفًا سياسيًا يشير إلى ألمانيا النازية وحلفائها الأوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية، إنطلاقًا من رؤيته أن الإتحاد السوفياتي واجه تحالفًا أوروبيًا واسعًا، وليس ألمانيا وحدها. كما أن وصفه بـ«الأول» يحمل إيحاءً بوجود إصطفاف أوروبي معاصر يراه الكاتب مشابهًا لذلك التحالف، وهو توصيف يعكس وجهة نظره السياسية وليس مصطلحًا تاريخيًا أو أكاديميًا متداولًا. ومن هذا المنطلق يرى أن الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة وجودية كان الهدف منها، بحسب تعبيره، «إبادة الشعب السوفياتي ومحو حضوره من التاريخ».
ومنذ الفقرة الأولى يضع الكاتب القارئ أمام أطروحة مركزية مفادها أن فهم تلك الحرب لم يعد مجرد شأن أكاديمي أو تاريخي، بل أصبح ضرورة سياسية لفهم العالم الحالي.


الحرب الأكثر دراسة... والأكثر إثارة للجدل

يلاحظ بوبروفسكي مفارقة لافتة حين يقول إن أحداث الحرب العالمية الثانية والحرب الوطنية العظمى تُعد من أكثر الأحداث التي خضعت للدراسة والتوثيق، ومع ذلك تبقى من أكثر فصول التاريخ الروسي تعرضاً للأساطير والجدل السياسي.
ويهاجم الكاتب ما يصفه بـ«القوالب الدعائية» التي لا تزال تتردد في النقاشات العامة، مثل: «ستالين كان نائماً حين بدأ الهجوم».
أو: «الإتحاد السوفياتي كان شريكاً لألمانيا بسبب توقيع إتفاق عدم الإعتداء».
ويرى أن التطورات الدولية الراهنة تجعل كثيراً من هذه الأحكام المبسطة أقل قدرة على الصمود أمام الواقع، لأن الأزمات الحالية تسمح – من وجهة نظره – بفهم طبيعة الضغوط والخيارات المحدودة التي كانت تواجه موسكو عشية الحرب العالمية الثانية.


ستالين وتأجيل الحرب: قراءة جديدة للجدل القديم

إحدى أهم الأفكار التي يطرحها بوبروفسكي تتعلق بالجدل التاريخي حول سياسة جوزيف ستالين قبل عام 1941.
فالكاتب يرى أن المقولة الشائعة التي تتحدث عن «محاولة ستالين تأجيل الحرب» لم تعد تبدو غريبة أو غير مفهومة في ظل الظروف الحالية.
ويكتب: «اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يستطيع الناس فهم ما يعنيه أن ستالين كان يؤخر لحظة إندلاع الحرب. نحن أيضاً نؤخرها».
في هذا السياق لا يقدم الكاتب دفاعاً تاريخياً تقليدياً عن القيادة السوفياتية، بل يحاول رسم تشابه بين سلوك الدولة السوفياتية آنذاك وسلوك روسيا المعاصرة، معتبراً أن الدول الكبرى أحياناً لا تسعى إلى تجنب الحرب بشكل مطلق، وإنما إلى كسب الوقت والإستعداد للمواجهة التي تبدو محتومة.


الغرب والأزمة الأوروبية في الثلاثينيات

ينتقل بوبروفسكي بعد ذلك إلى جذور الأزمة الأوروبية التي سبقت الحرب العالمية الثانية.
فبحسب تحليله، لم يكن صعود الفاشية ظاهرة معزولة، بل جاء نتيجة مباشرة لأزمة إقتصادية وسياسية أوسع.
ويقول إن: «أزمة عام 1929 والحروب الجمركية والسياسات الإقتصادية غير المسؤولة للقوى الأنغلوسكسونية قادت أوروبا إلى الكارثة».
ومن هذا المنطلق يعتبر أن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تكونا مجرد مراقبين للأحداث، بل كانتا – وفق رؤيته – طرفين أساسيين في إنتاج الظروف التي سمحت بصعود الأنظمة الفاشية وتحويل أوروبا إلى ساحة حرب.
وهنا يتبنى الكاتب رؤية نقدية شائعة ترى أن القوى الغربية إستفادت من الصراعات الأوروبية الكبرى لإعادة ترتيب موازين القوى العالمية بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.

بريطانيا بين الحليف والخصم

يخصص بوبروفسكي مساحة واسعة لإنتقاد السياسة البريطانية خلال تلك المرحلة.
فهو يصف بريطانيا بأنها: «دولة ماكرة وعديمة المبادئ كانت تسعى إلى توجيه الرايخ الأوروبي نحو الشرق».
ورغم إعترافه بوجود حالة عداء بين لندن وبرلين خلال الحرب، فإنه يلمح إلى أن العلاقات الخفية والمناورات السياسية كانت أكثر تعقيداً مما يظهر في السرديات التقليدية.
ولهذا يستحضر قضية رودولف هِس، نائب هتلر الذي قام برحلته الشهيرة إلى بريطانيا عام 1941، معتبراً أن هذه القضية ما زالت تخفي جوانب كثيرة لم تُكشف بالكامل، رغم أن المؤرخين – بحسب تعبيره – باتوا قادرين على رسم صورة أوضح لما حدث.


الحرب السوفياتية الفنلندية: بروفة مبكرة للمواجهة الكبرى

من أبرز الأفكار المثيرة للجدل في المقال توصيف الحرب السوفياتية الفنلندية (1939–1940) بإعتبارها: «حرباً بالوكالة شنها الغرب ضد الإتحاد السوفياتي».
ويذهب الكاتب إلى أن فنلندا حصلت آنذاك على دعم واسع من الدول الغربية، بل ومن دول كانت متخاصمة فيما بينها.
ويشير إلى أن: «بريطانيا وألمانيا ساعدتا فنلندا في الوقت نفسه».
ومن خلال هذه القراءة يحاول بوبروفسكي تقديم الحرب الشتوية بإعتبارها نموذجاً مبكراً لما يسميه الروس اليوم «الحروب بالوكالة»، وهي الفكرة التي يستدعيها بصورة واضحة عند مقارنتها بالحرب الأوكرانية المعاصرة.

العقوبات والحصار: تشابهات مع الحاضر

يرى الكاتب أن الإتحاد السوفياتي قبل الحرب العالمية الثانية كان يعيش ظروفاً تشبه إلى حد بعيد ما تواجهه روسيا اليوم.
فهو يذكّر بأن موسكو كانت: «غارقة حتى أذنيها في العقوبات».
ويشير إلى ما سمي آنذاك بـ«الحظر الأخلاقي» الذي فرضته الولايات المتحدة عقب الحرب الفنلندية السوفياتية، معتبراً أنه شكل نموذجاً أولياً للضغوط الإقتصادية والسياسية التي تستخدمها الدول الغربية ضد خصومها.
ومن وجهة نظره فإن الهدف الإستراتيجي ظل ثابتاً عبر العقود: «النظر إلى الشرق بإعتباره مخزوناً للموارد والثروات».

أوروبا والقتال ضد الإتحاد السوفياتي

يرفض بوبروفسكي إختزال الحرب في كونها مواجهة روسية ألمانية فقط.
فهو يؤكد أن أعداداً كبيرة من المتطوعين الأوروبيين شاركوا في القتال ضمن تشكيلات قوات النخبة الألمانية.
ويكتب: «جاء المرتزقة إلى قوات فافن SS من كل أنحاء أوروبا، من الدول الإسكندنافية إلى أطراف الإمبراطورية السابقة».
كما يشير إلى مشاركة قوميين من مناطق مختلفة، بما فيها جمهوريات سوفياتية سابقة.
والهدف من هذه الإشارة هو دعم أطروحته القائلة إن الإتحاد السوفياتي لم يكن يواجه ألمانيا وحدها، بل كان يواجه – بدرجات متفاوتة – جزءاً كبيراً من أوروبا السياسية في ذلك الوقت.


إتفاق مولوتوف – ريبنتروب: إعادة تفسير مثيرة للجدل

يتناول الكاتب أحد أكثر الملفات حساسية في تاريخ الحرب العالمية الثانية، وهو إتفاق عدم الإعتداء السوفياتي الألماني المعروف باسم إتفاق مولوتوف – ريبنتروب.
ويقول: «لا ينبغي أن تبقى هناك أسئلة كثيرة حول هذا الإتفاق».
ثم يقدم مقارنة مثيرة للإنتباه حين يضيف: «لدينا اليوم إتفاق مع الولايات المتحدة، والجميع يعلم أنهم سيخدعوننا. آنذاك كان هتلر، واليوم ترامب».
لا يقصد الكاتب وجود إتفاق حرفي مماثل، بل يحاول الإشارة إلى فكرة أوسع مفادها أن الدول تضطر أحياناً إلى عقد تفاهمات مؤقتة مع خصومها الإستراتيجيين لكسب الوقت أو إعادة ترتيب موازين القوى.
وهي مقارنة تعكس رؤية سياسية أكثر مما تعكس قراءة تاريخية خالصة.

حزيران يونيو 1941: الحرب التي لم يعد ممكناً تجنبها

في تقييمه للأيام الأخيرة قبل الغزو الألماني، يرى بوبروفسكي أن القيادة السوفياتية لم تكن تسعى إلى الإستسلام أو تجاهل الخطر، بل كانت تحاول تجنب الوقوع في فخ الإستفزازات المبكرة.
ويقول: «حتى أوائل يونيو 1941 كنا نحاول ألا نُستدرج إلى صراع واسع النطاق». لكنه يضيف أن: «22 يونيو لم يعد من الممكن تجنبه».
ومن هنا يطرح فكرة أن السؤال الحقيقي لم يكن ما إذا كانت الحرب ستقع، بل متى ستقع وكيف يمكن إختيار اللحظة الأكثر ملاءمة للإستعداد لها.

لا عودة إلى الإتحاد السوفياتي... ولكن لا بد من الدروس

ورغم كثافة المقارنات التي يعقدها بين الماضي والحاضر، يحرص بوبروفسكي على وضع حدود واضحة لهذه المقارنات.
فهو يؤكد: «لا يجوز بأي حال من الأحوال مقارنة روسيا الحالية بالإتحاد السوفياتي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي».
ويبرر ذلك بأن الإتحاد السوفياتي كان يمتلك مشروعاً أيديولوجياً مختلفاً، ونخبة سياسية مختلفة، ورؤية مغايرة للعالم، كما أنه قام – وفق تقديره – بعملية إعداد واسعة للحرب رغم ضيق الوقت.
ويشدد الكاتب على أن هدفه ليس الدعوة إلى إعادة إنتاج التجربة السوفياتية، بل إستخلاص العبر التاريخية منها.

الذاكرة بوصفها أداة لفهم الحاضر

في جوهره، لا يقدم مقال أليكسي بوبروفسكي دراسة تاريخية تقليدية بقدر ما يقدم قراءة سياسية للذاكرة التاريخية الروسية.
فالكاتب ينظر إلى الحرب الوطنية العظمى ليس بإعتبارها حدثاً من الماضي فحسب، بل بإعتبارها نموذجاً تفسيرياً لفهم الصراعات الحالية. ومن خلال سلسلة طويلة من المقارنات بين أعوام 1939–1941 والبيئة الدولية الراهنة، يحاول الدفاع عن فكرة أساسية مفادها أن روسيا تواجه اليوم ضغوطاً إستراتيجية تشبه، في نظره، تلك التي واجهها الإتحاد السوفياتي عشية الغزو الألماني.
وبغض النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع إستنتاجاته، فإن المقال يكشف جانباً مهماً من التفكير السياسي الروسي المعاصر، حيث لا تزال ذكرى الثاني والعشرين من يونيو 1941 حاضرة بقوة في تفسير السياسات الدولية، وفي تشكيل التصورات المتعلقة بالأمن القومي والغرب والحرب والسلام.
وفي ختام مقاله يطلق بوبروفسكي تحذيراً مكثفاً يلخص رسالته كلها: «علينا أن نتعلم دروس تاريخنا... وما زال الوقت لم يفت بعد».
وهي عبارة تختصر رؤية ترى في التاريخ ليس سجلاً للماضي، بل مرآةً للحاضر وإنذاراً للمستقبل.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن