ساعاتنا من يصلحها؟

عزيز باكوش
2026 / 6 / 26

في زاوية متواضعة من أحد أكثر الأحياء شعبية وحركة بمنطقة ولاد وجيه ، يجلس مصلح الساعات القرفصاء كأنه مولود قادم من زمن غابر . كان أربعينيا هزيلا وقد انزلقت نظاراته الكأسية بفعل الحرارة لتستقر على حافة أنفه مثل رسم كاريكاتوري . كان كل رأسمال الرجل كرسي بأرجل متنافرة و صندوق خشبي مهترئ دون ظهر يحتضن بعض أدوات حرفته التي لا تتجاوز أصابع اليد يجرها أو تجره في الغدو والرواح. رجل دعكت ملامحه عبر الزمن الكدمات. يجلس على الهامش بلا لافتة ولا واجهة تجارية منمقة خارج الزمن و قوانين المدنية الظالمة . ومع كل ذلك يحمل بين أصابعه معرفة لا تقاس بالمظهر ولا بالمكان. كأنه يحمل عمره المهني كله بين يديه.
زبناؤه يعرفونه ويعرفهم جيدا. أغلبهم من أبناء المدينة، ونصفهم تجاوزوا الخمسين من العمر. يأتونه حاملين ساعات يدوية بأسماء محفورة في ذاكرة أنهكها الزمن، فيعيد إليها نبضها كما يعيد الطبيب الحياة إلى قلب متعب. عند هذا الكهل القادم من واد أمليل إقليم تازة لا وجود لعبارة “غير قابلة للإصلاح”. فكل ساعة بأشكالها وأحجامها يمكن أن تستعيد دقاتها، وكل عطب له حل، إما بقطعة بديلة أو بلمسة خبير يعرف أسرار المعدن والعقارب والتروس الدقيقة.
ناولته -الروليكس- بحذر كما لو كانت قطعة من الجسد وهي التي فقدت واحدا من أهم أدوات تشغيلها في ظروف غامضة . ساعة تحمل اسم ماركة عالمية لكنها مقلدة أهداني إياها العزيز إبراهيم إسماعيل في دبي بالإمارات ربيع السنة الجارية . وقد فقدت –الرومونطوار- الدفاش - ذلك الجزء الصغير المدور المسؤول عن ضبط الوقت وتحريك العقارب. فتحها الكهل بهدوء جراح متمرس، وغاص بين أجزائها الدقيقة باحثا عن الحل. وخلال دقائق قليلة، وبينما كان يشتغل على ساعتي، أصلح خمس “بريكولات” أخرى بقيمة تناهز 120 درهما معظمها يتعلق بتعديل الأساور وضبط العقارب ومعالجة اهتزازاتها. كما أجّل ثلاث إصلاحات أخرى إلى وقت لاحق.

طوال الوقت كان يضع نظارتين تتدليان على وجهه في مشهد يشبه مهندسا بارعا بدون دبلومات. لكن خلف تلك الصورة البسيطة تختبئ خبرة طويلة وثقة هادئة بالنفس. سألته عن أصله فقال ،إنه من واد أمليل بإقليم تازة. ابتسمت وقلت له إننا نتقاسم الهوية نفسها. اكتفى بابتسامة مقتضبة وعاد إلى عالمه الصغير عالم القطع والتركيب، وكأن الزمن نفسه ينتظر بين أصابعه.
بعد نحو عشر دقائق من العمل طلب أربعين درهما. 4 دولار . لم يكن المبلغ ثمنا للوقت، بل ثمنا لسنوات طويلة من التعلم والخبرة والصبر. فاوضته وأديت خمسة وعشرين درهما فقط، لكن الحقيقة، لو أصر عبد الكريم وهذا اسمه على المبلغ كاملا لأديته عن طيب خاطر، لأن الرجل لم يكن يبيع دقائق من العمل، بل كان يبيع خبرة عملية ومهنة استغرقته وتراكمت عبر عقود.

بعد بضع دقائق غادرت المكان وساعتي تدق من جديد، لكنني حملت معي درسا أثمن من إصلاحها. فقد رسخ هذا الساعاتي في ذاكرتي حقيقة بسيطة وعميقة الصنعة المتقنة رأس مال لا يصدأ، والخبرة الصادقة كنز لا تفقده تقلبات الزمن. وكما يقول المثل الصنعة إلى ما غنات تكسي، ومن أتقن حرفته امتلك مفاتيح كرامته ورزقه أينما حل وارتحل.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن