|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 6 / 26
عند مراجعة منظومة الوعي وأسس التفكير لدينا، نكتشف أن هناك مفاهيم غُرست في عقولنا منذ الصغر كنا نظنها مجرد ترفيه، لكنها في الحقيقة شكّلت سلوكنا وزرعت فينا قيماً في غاية الخطورة.
ففي المدارس، علّمونا عبر لعبة الكراسي الموسيقية أن الفوز يعني إقصاء الآخرين: لكي تربح، عليك أن تمنع غيرك من الجلوس، وأن تنتزع الكرسي الأخير لنفسك. وفي لعبة الـبالونات، ترسخ لدينا أن النجاح يتحقق عبر تدمير ممتلكات الآخرين؛ فتفجير بالوناتهم للحفاظ على بالونك وحيدًا.
وفي تلك المرحلة، كان كثير من المعلمين ينظر إلى الأمر باعتباره تسلية بريئة، دون إدراك للأثر النفسي العميق الذي قد تتركه هذه الممارسات على طريقة نظرنا إلى الآخر ، وعلى مفهومنا الخفي للنجاح.
ومع مرور الوقت، تحولت التسلية إلى عقيدة سلوكية: صار كل فرد يرى نفسه الرقم واحد، ويعتقد أن استمراره ونجاحه مشروطان بالقضاء على من حوله. في المقابل، غابت عن مناهجنا التربوية فكرةٌ محورية مفادها أن استمرارنا الحقيقي لا يتحقق بالتنافس الإقصائي، بل بالتعاون والتكامل.
ونتيجة لذلك، عندما نمرّ بمواقف حياتية تتطلب التكافل، نجد جيلاً عاجزًا عن العطاء الاجتماعي: جيلًا ينأى بنفسه عن الفضاء العام والمصلحة المشتركة، ويتبنى شعار النجاة الفردية والانعزال، دون أن يظهر لديه حتى على مستوى الشعور أي إحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع.
يدفعنا هذا الواقع إلى التساؤل عن أسباب السلبية المزمنة التي يتسم بها البعض في مجتمعاتنا. فهذه السلبية ليست مجرد سلوكيات عابرة، ولا تصرفات فردية شاذة، بل هي ظاهرة متجذرة نلمس آثارها يوميًا في مواقف ووقائع متكررة.
ويتجلى هذا الخلل السلوكي بوضوح في مشاهد مألوفة، عندما يقوم أحدهم بإلقاء المخلفات من نافذة سيارته في الفضاء العام، أو عندما يركن سيارته باستهتار فيغلق الطريق على الآخرين دون أدنى إحساس بالمسؤولية، أو عندما تُرمى القمامة في وسط الشارع بلا مبالاة.
هذه الممارسات تجرّنا إلى طرح سؤال جوهري: لماذا تحولت السلوكيات السلبية من مجرد صدف فردية إلى ظاهرة جماعية مستقرة؟ إنها تعكس في العمق غياب مفهوم المواطنة الحقيقية، وضيق أفق التفكير الذي ينحصر في حدود المصلحة الشخصية والراحة المؤقتة، مع إغفال تام لأثر هذه الأفعال على المجتمع ككل.
قد يرى البعض أن هناك عوامل أخرى اجتماعية ونفسية واقتصادية تقف وراء هذه السلوكيات السلبية، وقد أصبحت جزءًا من ممارسات الناس في الفضاء العام. وهنا نقول: نعم، بكل تأكيد، توجد دوافع وظروف متعددة لا يمكن إنكارها.
لكن في الوقت نفسه، لا يجوز إغفال حقيقة أن القيم التي تشربناها منذ الطفولة ما تزال تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل السلوك. فهذه القيم البدائية ظلّت كامنة فينا، وتعود لتظهر عند أول اختبار داخل المجال العام.
وبتفكيك هذه الظاهرة، نجد أن القيم التربوية قد تحوّلت مع مرور الوقت إلى نمط تفكير سائد وعقيدة راسخة، قوامها: النظام خُلق لخدمة الفرد الواحد لا المجموعة.
وقد أدى هذا التشوه الفكري إلى غياب وعي جمعي يؤمن بأن العمل الجماعي هو مصدر القوة الحقيقي، وأن التكافل بين أفراد المجتمع هو المحرك الأساسي للإنتاج، والوقود الذي يدفع الجميع نحو النجاح والتميز المشترك.
وبناءً على هذا الواقع، نحن في أمسّ الحاجة إلى مشروع أخلاقي وطني يعيد ترتيب منظومة القيم لدينا، لا سيما في مدارسنا؛ لتصبح القيم الإيجابية جزءًا أصيلًا من وعينا السلوكي.
إننا مطالبون بجرأة لتطهير عقولنا من تلك التشوهات الفكرية التي تحولت مع مرور الوقت إلى قيم سلبية، وأدارت سلوكياتنا في الفضاء العام، بوعي منا أو بدونه. لذا، لا ينبغي أن تظل هذه الأفكار مجرد خواطر عابرة؛ بل يجب تحويلها إلى مشروع إستراتيجي يقع في صلب الإطار العام لمراجعة وإصلاح قطاع التعليم في ليبيا.
إنها دعوة ملحّة لإجراء مسح شامل وبنيوي (Scan) لكامل المنظومة القيمية التي غُرست في وجدان الأجيال السابقة والحالية؛ وذلك بهدف تشخيص مواطن الضعف والخلل في تلك القيم، والكشف عن أسباب استمرار أثرها السلبي خصوصًا خلال الأزمات التي مرت بها البلاد لتتضح مدى ترسّخها بوصفها جزءًا من البناء الفكري لأفراد المجتمع.
وفي ضوء نتائج هذا المسح، لا يقتصر الهدف على النقد والتشخيص، بل يمتد إلى معالجة القيم المعطِّلة، وإعادة بناء ما يلزم من ركائز تربوية، عبر تعزيز القيم الإيجابية ترسيخًا عمليًا داخل المدرسة وخارجها، بما يصنع وعيًا سلوكيًا متماسكًا يقود إلى ثقافة مواطنة حقيقية وتكافل اجتماعي مستدام. ونطلق اليوم دعوة وطنية لإعادة هيكلة التعليم، بهدف تأصيل أخلاقيات حقيقية تحث على العمل الجماعي، وترسّخ قيم التكافل بوصفها أساسًا لبناء الوطن.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |