حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لهاني نقشبندي

سعد بن علال
2026 / 6 / 25

"لا يولد القاتل مجرما، كما هو رجل الدين لا يولد شيخا. كلاهما يصبح ما هو عليه من البيئة التي نصنعها حوله... ونحن، أيها السادة، كما قد نجعل من الجاهل عالم دين، قد نجعل من الجاهل ذاته متطرفا."

يختزل هذا المقطع أحد أكثر الأسئلة الإنسانية إرباكا: هل الشر صفة فطرية أم نتاج اجتماعي؟ وهل التطرف خيار فردي محض أم نتيجة شروط تاريخية وسياسية وثقافية محددة؟

في رواية "نصف مواطن محترم"، لا يكتفي هاني نقشبندي بسرد حكاية فرد اصطدم بجدار السلطة، بل يحاول تشريح الآليات الخفية التي تحول الإنسان العادي إلى أداة في يد القمع أو ضحية له. فالرواية تنتمي إلى ذلك النوع من الأدب الذي يرفض تفسير الواقع عبر ثنائية الخير والشر، ويفضل البحث في الشروط التي تنتج كليهما.

تكمن قوة المقطع السابق في أنه ينسف الفكرة المحافظة التي ترى المجرم أو المتطرف كائنا استثنائيا خرج من رحم الشر المطلق. فالكاتب يعيدنا إلى سؤال البيئة الاجتماعية والسياسية التي تصنع الوعي وتعيد تشكيله. فالجاهل نفسه الذي يمكن أن يتحول إلى داعية ديني محترم في سياق معين، قد يتحول إلى متطرف أو قاتل في سياق آخر. ليست المسألة متعلقة بجوهر الإنسان بقدر ما هي مرتبطة بالبنية الاجتماعية التي تؤطره.

هنا تلتقي الرواية مع تقاليد أدبية وفكرية عريقة، من دوستويفسكي الذي رأى في الجريمة نتاجا لأوضاع إنسانية معقدة، إلى الأدب السياسي الذي يبحث عن الجذور الاجتماعية للعنف بدل الاكتفاء بإدانته أخلاقيا. فالمجتمعات التي تنتج التهميش والقهر والإقصاء لا يمكنها أن تتفاجأ عندما تنتج في المقابل أشكالا مختلفة من التطرف والعنف.

ولعل هذا ما يجعل الرواية راهنية حتى اليوم. فالعالم العربي لم يعش فقط أزمة ديمقراطية أو أزمة تنمية، بل عاش أيضا أزمة إنتاج للمعنى. وحين تعجز المؤسسات التعليمية والثقافية والسياسية عن منح الأفراد أفقا للكرامة والمشاركة، تظهر قوى أخرى تملأ الفراغ، سواء كانت سلطات استبدادية أو تيارات متطرفة.

إن المقطع المذكور لا يدافع عن المجرم ولا يبرر التطرف، بل يدعونا إلى تجاوز التفسير السطحي للأحداث. فإدانة العنف لا تعني تجاهل شروط إنتاجه. تماما كما أن محاربة التطرف لا يمكن أن تتم فقط عبر السجون والمحاكم، بل عبر بناء مجتمع أكثر عدالة وحرية وكرامة.

لهذا تبدو "نصف مواطن محترم" أكثر من مجرد رواية سياسية؛ إنها دعوة للتأمل في مسؤوليتنا الجماعية عن العالم الذي نصنعه. فالمجتمع الذي يزرع الخوف يحصد الخضوع، والمجتمع الذي يزرع الإقصاء يحصد التطرف، أما المجتمع الذي يزرع الحرية فيمنح أفراده فرصة أن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة، لا أنصاف مواطنين يبحثون عن مكان لهم داخل وطنهم.

وفي هذا المعنى تحديدا، لا يصبح السؤال: لماذا ظهر المتطرف أو المجرم؟ بل: أي مجتمع صنعه؟ وأي شروط سمحت له بأن يصبح ما هو عليه؟

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن