|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 25
ليس أكثر قسوة على الفكرة من الذين يرفعون رايتها بأيدٍ ملوثة بما يناقضها، وليس أكثر ظلمًا للحسين من أولئك الذين حوّلوه من مشروع إصلاح إلى لافتة سياسية، ومن ثورة أخلاقية إلى موسم شعارات، ومن صرخة في وجه الطغيان إلى وسيلة لتخدير الضحايا وإقناعهم بأن الجوع فضيلة وأن الصبر قدر أبدي لا يجوز الاعتراض عليه. لقد خرج الحسين ذات يوم لأن الإنسان كان يُسحق تحت أقدام السلطة، ولم يخرج لكي تتحول ذكراه إلى طقوس خاوية تُستهلك فيها العواطف بينما يبقى الظلم جالسًا على كرسيه يضحك من الجميع.الحسين لم يكن طباخًا في موكب، ولم يكن قدرًا من الهريسة يوزع على الأرصفة، ولم يكن مكبر صوت يعلو على أصوات العقل، ولم يكن ساحةً لتصفية الحسابات التاريخية بين الأموات، بل كان مشروعًا أخلاقيًا أراد أن يعيد للإنسان كرامته عندما أصبحت الكرامة عملة نادرة في سوق الخوف. وما أبعد المسافة بين رجل خرج وهو يعلم أنه ذاهب إلى الموت دفاعًا عن الحق، وبين جماعات تذهب إلى السلطة باسم ذلك الرجل ثم تبيع الحق في أول مزاد للمصالح.ما الذي كان سيقوله الحسين لو عاد اليوم ورأى الذين يتحدثون باسمه وهم يراكمون الثروات فوق جماجم الفقراء؟ ماذا كان سيفعل لو شاهد ملايين الدولارات تتنقل بين الحسابات السرية بينما أطفال العراق يبحثون عن رغيف خبز أو مدرسة أو مستشفى؟ هل كان سيقف مع السارق لأنه يرفع رايته؟ أم كان سيقف مع الجائع الذي لا يملك سوى دموعه؟ وهل كان سيختار القصور أم الخيام؟ الذهب أم الكرامة؟ النفوذ أم الحقيقة؟.. إن المأساة الحقيقية ليست في أن هناك من يسرق، فالسارق موجود في كل الأزمنة، بل في أن هناك من يسرق ثم يرتدي ثوب القداسة ليقنع الناس أن سرقته نوع من أنواع الجهاد، وأن فساده ضرورة وطنية، وأن اعتراض المظلوم على ظالمه خروج على العقيدة. وهنا تتحول الكارثة من فساد سياسي إلى فساد أخلاقي، لأن الإنسان عندما يسرق المال يمكن استعادته، أما عندما يسرق الوعي فإن الأمة كلها تصبح رهينة للخديعة.لقد صار بعضهم يتحدث عن الحسين كما لو كان ملكية خاصة، وكأن دم كربلاء صك احتكار يمنحهم الحق في توزيع الوطنية والخيانة على الناس، فيصنفون هذا مؤمنًا لأنه يصفق لهم، وذاك عدوًا لأنه يسألهم أين ذهبت أموال الدولة، ويجعلون من النقد جريمة ومن التفكير مؤامرة ومن المطالبة بالعدالة اعتداءً على المقدسات. لكن الحقيقة التي لم يفهموها أن الحسين لم يمت لكي يُلغى الآخر، بل مات لكي يبقى الإنسان حرًا في مواجهة الاستبداد أيًا كان شكله أو لونه أو شعاره.إن أخطر ما أصاب العراق ليس الفقر وحده، ولا الفساد وحده، ولا التخلف وحده، بل تحويل الرموز الكبرى إلى حصون يختبئ خلفها الفاشلون. فكلما سُئلوا عن خراب البلاد رفعوا راية الحسين، وكلما طُرحت ملفات السرقة تحدثوا عن المظلومية، وكلما طالب الناس بالخدمات أشعلوا معركة جديدة في التاريخ ليهربوا من معركة الحاضر. وهكذا أصبح الماضي ملاذًا للفاشلين، وأصبحت العاطفة جدارًا يحجب الحقيقة عن العيون.وما أشد المفارقة حين ترى أم الشهيد تبحث عن راتب يكفيها، بينما أبناء المتاجرين بالشهادة يتنقلون بين العواصم والفنادق والمنتجعات. وما أشد المرارة حين ترى الأرملة تحصي الديون آخر الليل، بينما الذين يتحدثون عن التضحية يضيفون مزيدًا من العقارات إلى أرصدتهم. وما أشد الألم حين يصبح الفقير مطالبًا بالصبر دائمًا، بينما الأغنياء لا يصبرون ساعة واحدة على امتيازاتهم.إن الحسين لم يكن خطيب كراهية، ولم يكن مشروع انتقام، ولم يكن صاحب دعوة لتقسيم الناس إلى قبائل متناحرة. لقد كان رجلًا يبحث عن الإنسان داخل الإنسان، ولذلك فإن كل من يحول ذكراه إلى وسيلة لبث الأحقاد أو صناعة الفتن أو تمزيق المجتمع إنما يبتعد عن جوهره مهما بالغ في البكاء والهتاف واللطم. فالقضية ليست مقدار الدموع التي تسقط من العين، بل مقدار الظلم الذي يخرج من القلب. وليست في عدد الرايات المرفوعة، بل في عدد الحقوق التي أُعيدت إلى أصحابها.
العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المتحدثين باسم الحسين، بل يحتاج إلى من يفهم الحسين. يحتاج إلى من يدرك أن كربلاء ليست حادثة تاريخية انتهت، بل سؤال أخلاقي يتكرر كل يوم: هل تقف مع المظلوم أم مع الظالم؟ هل تحمي المال العام أم تسرقه؟ هل تصدح بالحقيقة أم تبيعها؟ هل تنحاز للوطن أم للغنيمة؟ هنا فقط يبدأ الامتحان الحقيقي، وهنا فقط تتكشف الأقنعة وتسقط الادعاءات.
لقد تعب العراقي من الذين يتاجرون بالمقدس، ومن الذين يحولون الدين إلى شركة استثمارية، ومن الذين يتحدثون عن السماء بينما أيديهم غارقة في وحل الأرض. وتعب من أولئك الذين يصنعون من الفقر مناسبة انتخابية ومن الحزن سوقًا للمكاسب. ولذلك بدأ الناس يفتحون أعينهم على حقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن الحسين لا يحتاج إلى من يدافع عنه، بل يحتاج إلى من يتوقف عن استغلاله.وسيظل الحسين أكبر من الجميع؛ أكبر من الأحزاب، وأكبر من الطوائف، وأكبر من الشعارات، وأكبر من الذين حاولوا حبسه داخل حدود مصالحهم الضيقة. وسيبقى صوته يتردد في ضمير الأحرار لا بوصفه ذكرى للبكاء، بل بوصفه دعوة دائمة لمقاومة الظلم حيثما كان. أما الذين جعلوا من اسمه جسرًا نحو الثروة والنفوذ والسلطة، فإن التاريخ الذي أنصف الحسين سيحاسبهم يومًا، لأن الدم الطاهر لا يتحول إلى غطاء للفاسدين، ولأن الحقيقة مهما تأخرت لا تموت، ولأن الأوطان قد تصبر طويلًا على الجراح لكنها لا تنسى من كان يبيعها كل يوم وهو يرفع في يده راية النجاة.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |