من قصيدة : غبـــار يملأ العروق

أمين أحمد ثابت
2026 / 6 / 25

كانت السواحل تجمع أصدافها المكسورة وتهرب نحو مجرى غامض، والمياه كانت فقدت ذاكرتها ، وقررت أن تستبدل ملوحتها بندبة تمتد في جسد البحر – هناك ، عند الضفة التي ضاق فيها الوعد . . حتى صار شقوقا في جدار الوقت - كانت بقايا العشائر تصعد من رمادها مثل أعمدة دخان تبحث عن سقف ، فيما المدن تنزع أسماءها القديمة وتعلقها على مشاجب الريح.
رفع رأسه فوق أريكة الشرق المثقلة بأحمال القرون ، فاهتزت المآذن في مرايا الغبار، وانحل الوقت من المدن العتيقة – كعادتها الفضائيات تحمل نعشا من الكلمات وصور الوهم وتوزعه على الجهات – كان وطنا عندها يتداعى بحاكمه المهووس من شرفته العالية ، كحلم تنخره الرطوبة من الداخل ، فتساقطت حوله الأعمار مثل أوراق مبللة ، وغاصت الأسماء في وحل النسيان .
أرسل سلامه إلى النقوش التي قاومت العواصف ، الى الأبواب فتحت على دهاليز أخرى ، حيث تدلت من سقوفها سلاسل الصمت ، فأصبح الوطن جسد خريطة مملوءة بالكدمات ، والروح نافذة ترتطم بها أسراب اشباح ليلية – فيعصف البكاء في المكان ، حصار يمد أصابعه في الشوارع ويحصي أنفاس البيوت ، طفل خرج حاملا نقوده ليشتري اللبان، وعاد إلى أمه غيمة من ثقوب - تدحرجت ضحكاته في الممرات ، ثم انطفأت بين حذاء حامل بندقية وجدار متصدع ، وعيناه بقيتا معلقتين في الهواء .
إلى متى تظل الحروب . . قدر علينا - يا صاحب العرش الجالس خلف ستائر الغيب ، نحن الذين أرهقتهم المرايا الكاذبة، الذين حملوا أوطانهم على ظهورهم كما يحمل المنفي قفصا فارغا ، الذين شربوا الوجع حتى امتلأت عروقهم بالغبار ، ورأوا الحقيقة عارية فغطوها بالأعلام والخطب والاحتفالات المؤقتة - كم مرة سنعيد تمثيل الخسارة ذاتها وتغرق الحقيقة في وحل النسيان
لقد سئمنا الأيام وهي تعبر فوق صدورنا ولا تتوقف - سئمنا الفراغ الذي يرتدي هيئة أرض ويطالبنا بالانتماء ، ثم يبيع رجولته في المزادات المفتوحة - سئمنا الجهات التي تتكاثر حولنا . . كأفواه جائعة ، والحدود التي تنبت كل صباح مثل أسلاك شائكة .

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن