الإمبراطورية: البصمة الفارسية في سياسة التفاوض:

احمد كانون
2026 / 6 / 25

عندما ننظر إلى المشهد السياسي الإيراني المعاصر، بعيداً عن الحجج التوسعية المؤدلجة، نجد أنفسنا أمام ظاهرة تتجاوز إطار (الدولة الوطنية) الحديثة. طهران لا تتصرف كعاصمة دولة ذات حدود سياسية فحسب، بل كمركز لدولة تتنفس بعمق إرث إمبراطوري. هذا العقل الاستراتيجي لا يُفهم إلا بالغوص في أعماق السيكولوجية الفارسية، حيث تندمج البراغماتية الصلبة مع المخيال التاريخي في تشكيل الحاضر.
لا تستمد إيران قوتها التفاوضية من تفوق عسكري أو اقتصادي تقليدي، بل من تراث تكتيكي نفسي متجذر في ثقافتها. على طاولة المفاوضات، يعامل الإيراني الزمن كحليف استراتيجي، مستلهماً صبر (حياكة السجاد العجمي) ان صح الوصف!. إنه عمل بطيء ودقيق، يعتمد على استنزاف الخصم بإغراقه في التفاصيل المعقدة، حتى تكتمل الصورة النهائية غرزةً بغرزة.
يترافق هذا الصبر مع إتقان فن (الغموض). كما لاحظنا يدفع الإيراني الأزمة إلى حافتها ليحصد أكبر قدر من التنازلات في اللحظة الحرجة، ثم يحتفظ بخطوط رجعة تحفظ ماء الوجه. هذا ما تجلى بوضوح في إدارة الملف النووي على مر السنين، وفي الطريقة التي استخدم فيها وكلاءه، حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، لتحويل أي حوار ثنائي إلى معركة شطرنج إقليمية واسعة، يستثمر فيها التناقضات كأوراق رابحة.
يبدو الخطاب السياسي الحالي في طهران، رغم صبغته الأيديولوجية والمذهبية، إعادة إنتاج حديثة للروح الإمبراطورية الفارسية. تتجلى هذه الازدواجية في عقيدة (أم القرى) التي تضع طهران في قلب العالم الإسلامي. هذه الرؤية ليست وليدة الثورة، بل امتداد طبيعي لنظرة الفرس القدماء إلى إمبراطوريتهم كمركز الحضارة والنور (إيران شهر).
هذا الاستعلاء الثقافي يتحول سياسياً إلى سعي مستمر لتأمين المجال الحيوي التاريخي. وحتى النظام السياسي الحالي يحمل بصمات تاريخية واضحة؛ ففكرة (الحق الإلهي) لدى الساسانيين لم تختفِ، بل تكيفت لتظهر اليوم في شكل مؤسسات تجمع بين السلطة السياسية الدنياوية والمرجعية الروحية الاخروية!.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف نجت هذه الثقافة من تتالي الغزوات والإمبراطوريات على مر التاريخ؟ السر يكمن في المزاوجة النادرة بين صلابة الهوية ومرونة السياسة. اللغة الفارسية كانت خط الدفاع الأول، والشاهنامة للفردوسي لم تكن مجرد ملحمة شعرية، بل مشروعاً قومياً لحفظ الذاكرة الجماعية أمام خطر الذوبان. أما النظام البيروقراطي (الديوان) فقد كان سلاحاً صامتاً ولكنه قاتل؛ إذ سرعان ما وجد كل غازٍ نفسه مضطراً للاعتماد على الكُتّاب والوزراء الفرس، فانقلب الغالب مغلوباً ثقافياً. ولم تكتفِ الثقافة الفارسية بحفظ لغتها، بل حافظت على طقوسها، كعيد النيروز، ودمجتها ببراعة مع الهويات اللاحقة، لتصبح جسراً حياً ينقل الانتماء عبر الأجيال.
ولا يمكن فهم هذه السيكولوجية دون ملاحظة التقاطع اللافت مع الحضارة الصينية. كلتاهما ترفض قوالب الدولة الغربية الحديثة. يشتركان في النظرة الاستعلائية التي ترى في حضارتهما محور العالم، وفي قدرتهما على (ابتلاع) الغزاة ثقافياً، كما فعل الفرس مع غزاتهم، وكما فعلت الصين مع المغول والمانشو.
استراتيجياً، تلتقي السياسة الإيرانية بالصينية في تفضيل التطويق البطيء، وتجنب الصدام المباشر، واستثمار (النفَس الطويل) لتغيير الواقع على الأرض بهدوء وصبر.

لا يمكن قراءة تحركات طهران اليوم بمعزل عن هذا الإرث العميق. إنها ليست دولة تبحث عن مصالح عابرة، بل إمبراطورية تُكمل صفحة تاريخية قديمة، مستخدمة أدوات العصر لاستعادة أمجاد يحفظها الوعي التراثي الجمعي!.
.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن