حين غادرت الإمبراطورية بالقطار: قصة آخر جندي سوفياتي في المجر

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 25

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

25 حزيران يونيو 2026

كيف تحوّل عبور ضابط واحد للحدود إلى رمز لإنتهاء نصف قرن من التاريخ الأوروبي؟

في التاسع عشر من يونيو/حزيران 2026 نشر الكاتب الروسي كيريل نيبومنياششي في مجلة «كاميرتون» الروسية مقالاً بعنوان «يوم الذاكرة... صيف 1991 البارد، أو آخر جندي في الحرب الباردة»، إستعاد فيه واحدة من أكثر اللحظات رمزية في التاريخ الأوروبي المعاصر: مغادرة آخر عسكري سوفياتي الأراضي المجرية في 19 يونيو/حزيران 1991، عندما عبر قائد مجموعة القوات الجنوبية السوفيتية الجنرال فيكتور شيلوف نقطة زاخوني الحدودية بإتجاه الإتحاد السوفياتي.
لا يتعامل الكاتب مع الحدث بإعتباره مجرد عملية إعادة إنتشار عسكري أو إنهاءً لوجود قوات أجنبية في دولة حليفة، بل يقدمه بوصفه المشهد الأخير لعالم تشكل بعد الحرب العالمية الثانية وبدأ يتفكك أمام أعين الجميع.
ومن خلال سرد تاريخي وسياسي متشابك، يطرح المقال سؤالاً أعمق من مجرد إنسحاب جيش: هل كان ما جرى نهاية إحتلال؟ أم إنهيار منظومة؟ أم أفول إمبراطورية؟ أم نهاية القرن العشرين السياسي بأكمله؟


لحظتان تفصل بينهما سنتان... لكنهما تنتميان إلى القصة نفسها

يفتتح الكاتب مقاربته بالمقارنة بين صورتين أصبحتا جزءاً من الذاكرة السوفياتية.
الأولى للجنرال بوريس غروموف وهو يعبر «جسر الصداقة» فوق نهر آموداريا في فبراير/شباط 1989 معلناً إنتهاء الوجود العسكري السوفياتي في أفغانستان.
والثانية للجنرال فيكتور شيلوف وهو يغادر المجر في يونيو/حزيران 1991.
يقول نيبومنياششي إن الحدثين لا يمكن مساواتهما عسكرياً أو سياسياً، لأن أفغانستان كانت حرباً فعلية خاضها الجيش السوفياتي لعقد كامل، بينما كانت المجر جزءاً من المنظومة الأمنية لحلف وارسو.
ومع ذلك فإنهما يشتركان في معنى تاريخي واحد: «كان الإتحاد السوفياتي ينهي مهمتين عسكريتين كبيرتين خارج حدوده ويعيد جنوده إلى الوطن».
فالسياسيون وقعوا الإتفاقيات، والدبلوماسيون تفاوضوا، لكن الجنود هم الذين أغلقوا الأبواب الأخيرة للتاريخ القديم.

آخر جنود الدولة التي كانت تتراجع

يرى الكاتب أن الجندي السوفياتي في كل من أفغانستان والمجر وجد نفسه في موقع فريد: «آخر إنسان في عصر دولة كانت تغادر المسرح».
فالإنسحابات الكبرى لا تُنفذها البيانات السياسية، بل الضباط الذين يسلمون المواقع، ويفكون الحراسات، ويعبرون الجسور والحدود.
ومن هذه الزاوية يرفض المقال النظر إلى الإنسحابين بإعتبارهما مجرد هزائم عسكرية.
ففي أفغانستان، كما يذكر الكاتب، غادرت القوات السوفياتية بصورة منظمة محتفظة براياتها وتشكيلاتها العسكرية.
وفي المجر، رغم غياب المعارك، كانت العملية اللوجستية هائلة؛ إذ شملت نقل عشرات آلاف العسكريين وعائلاتهم ومخازنهم ومعداتهم وأرشيفاتهم إلى إتحاد سوفياتي كان يعيش أصلاً أزماته الأخيرة.

المجر: نهاية وجود عسكري أم نهاية نظام أوروبي كامل؟

يؤكد المقال أن فهم دلالة 19 يونيو/حزيران 1991 يتطلب العودة إلى ما بعد عام 1945.
فبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت المجر جزءاً من المجال السوفياتي في أوروبا الشرقية، ثم إنضمت عام 1955 إلى حلف وارسو.
وعلى الرغم من إحتفاظها بمؤسساتها الرسمية، فإن مسارها الإستراتيجي بقي مرتبطاً بموسكو.
لذلك لم يكن خروج القوات السوفياتية بالنسبة للمجريين مجرد إخلاء ثكنات عسكرية، بل: «إستعادة كاملة للسيادة الوطنية وإمكانية تقرير المصير دون وجود حامية أجنبية».
ومن هنا جاءت الأهمية الرمزية للحدث في الذاكرة المجرية الحديثة.


ظل عام 1956 الطويل

لا يمكن الحديث عن الوجود السوفياتي في المجر دون التوقف عند إنتفاضة 1956.
يذكّر الكاتب بأن الإحتجاجات التي بدأت في بودابست في أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام رفعت شعارات الإصلاح السياسي والإستقلال الوطني والتخلص من الهيمنة السوفياتية.
لكن الإنتفاضة أُخمدت بمشاركة مباشرة للقوات السوفياتية.
ومنذ ذلك الحين لم يعد الوجود العسكري السوفياتي بالنسبة لقطاع واسع من المجريين مجرد مسألة جيوسياسية، بل أصبح رمزاً لجرح تاريخي عميق.
ولهذا عندما بدأت القطارات العسكرية السوفياتية تغادر البلاد بين عامي 1990 و1991، لم يكن المجريون يشاهدون مجرد نقل معدات، بل كانوا يشاهدون: «الماضي نفسه وهو يُحمّل في عربات القطارات ويغادر نحو الشرق».

إنهيار نظام يالطا من دون حرب

يضع المقال الإنسحاب من المجر ضمن سلسلة التحولات الكبرى التي إجتاحت أوروبا الشرقية عام 1989.
ففي بولندا صعدت حركة «تضامن»، وفي ألمانيا الشرقية سقط جدار برلين، وفي تشيكوسلوفاكيا إندلعت «الثورة المخملية»، بينما كانت المجر نفسها قد بدأت تفكيك النظام الشيوعي.
ويشير الكاتب إلى أن موسكو لم تعد تمتلك الأدوات القديمة للحفاظ على نفوذها:
•لا القدرة الإقتصادية.
•ولا الزخم الأيديولوجي.
•ولا الإستعداد لإستخدام القوة كما حدث عام 1956.
ومن ثم أصبح الإنسحاب السوفياتي من أوروبا الشرقية نتيجة منطقية لتحول تاريخي أوسع.

زاخوني: عندما تصنع محطات القطار التاريخ

من أجمل الأفكار التي يطرحها المقال تأمل رمزية مدينة زاخوني الحدودية الصغيرة.
فالمدن العظيمة عادة ما ترتبط بالإنتصارات والإعلانات الكبرى، لكن نهايات الإمبراطوريات غالباً ما تحدث في أماكن عادية جداً: محطة قطار، معبر حدودي، أو حاجز تفتيش.
ويكتب نيبومنياششي في وصف شاعري: «الإمبراطوريات لا تغادر عبر الساحات الكبرى، بل عبر السكك الحديدية والجسور والمعابر الحدودية».
ولهذا تحولت زاخوني من نقطة جغرافية هامشية إلى رمز تاريخي أوروبي.

بين التحرر المجري والإنهاك السوفياتي

أحد أكثر أجزاء المقال توازناً هو محاولته عرض الحدث من زاويتين مختلفتين.
بالنسبة للمجر
كان خروج القوات السوفياتية يعني:
•إستعادة السيادة الكاملة.
•إنهاء الوجود العسكري الأجنبي.
•الإنطلاق نحو المؤسسات الأوروبية والأطلسية.
أما بالنسبة للإتحاد السوفياتي
فلم يكن الأمر هزيمة عسكرية مباشرة بقدر ما كان دليلاً على:
•الإنهاك الإستراتيجي.
•فقدان القدرة على الحفاظ على النظام الإمبراطوري.
•إنتهاء صلاحية النموذج السياسي السوفياتي في أوروبا الشرقية.
ويحذر الكاتب من إختزال الحدث في ثنائية «منتصر ومهزوم»، لأن الواقع أكثر تعقيداً.
فبالنسبة للجنود السوفيات أنفسهم كانت المجر ببساطة مكان خدمة وعمل وحياة عائلية إمتدت لسنوات طويلة.

ماذا ترك السوفيات خلفهم؟

يتناول المقال أيضاً الجانب الإقتصادي والمادي للإنسحاب.
فمعظم الأسلحة والدبابات والطائرات والمعدات العسكرية نُقلت إلى الإتحاد السوفياتي، لكن ما بقي في المجر كان ضخماً:
•مدن وثكنات عسكرية.
•مستشفيات.
•مطارات وقواعد جوية.
•مستودعات.
•ورش صيانة.
•شبكات هندسية وخدمية.
•آلاف المباني السكنية.
وقد نشأت خلافات مالية بين موسكو وبودابست حول قيمة هذه الممتلكات والتعويضات البيئية المطلوبة.
لكن الطرفين توصلا في نهاية عام 1991 إلى ما عُرف بـ«الخيار الصفري»، حيث تخلّى كل منهما عن مطالبه المالية تجاه الآخر.

هل كان الإنسحاب هزيمة أم مسؤولية سياسية؟

في خاتمة مقاله يرفض نيبومنياششي القراءة التي ترى في الإنسحاب السوفياتي مجرد إذلال أو إنهيار.
فهو يذكّر بأن الإتحاد السوفياتي دخل المجر أصلاً في سياق الحرب ضد ألمانيا النازية، وأن وجوده بعد عام 1945 كان جزءاً من النظام الأمني الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية.
ويكتب: «أوروبا تغيرت، والإتحاد السوفياتي وافق على سحب قواته من دون حرب ومن دون إراقة دماء ومن دون محاولة وقف التغيير بالقوة».
ومن هذا المنطلق يرى الكاتب أن ما جرى يمكن تفسيره أيضاً بوصفه مظهراً من مظاهر المسؤولية السياسية لدولة عظمى قررت الإنسحاب سلمياً رغم إمتلاكها قوة عسكرية هائلة.

ما الذي إنتهى فعلاً في 19 يونيو 1991؟

يترك المقال قارئه أمام سؤال مفتوح لا يقدم له إجابة قاطعة.
ففي ذلك اليوم غادر آخر جندي سوفياتي المجر، لكن ما الذي غادر معه؟
هل إنتهت حقبة الإحتلال كما يراها كثير من المجريين؟
أم إنتهى نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية؟
أم إنتهت الإمبراطورية السوفياتية؟
أم إنتهت الحرب الباردة نفسها؟
ربما كانت الإجابة، كما يوحي الكاتب، أن كل هذه النهايات وقعت في الوقت ذاته.
لقد عبر فيكتور شيلوف الحدود في ظهيرة يوم صيفي من عام 1991، لكن الذي غادر فعلياً لم يكن مجرد قائد عسكري أو وحدة من الجيش الأحمر، بل عالم سياسي كامل إستمر قرابة نصف قرن، وكان على وشك أن يختفي نهائياً بعد أشهر قليلة مع إنهيار الإتحاد السوفياتي نفسه.

*****

المصدر

كيريل نيبومنياششي، «يوم الذاكرة... صيف 1991 البارد، أو آخر جندي في الحرب الباردة»، مجلة «كاميرتون» الروسية، 19 يونيو/حزيران 2026.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن