نظرة سريعة حول المنهج البحثي العلمي

زيد نائل العدوان
2026 / 6 / 25

شكلت الِأبحاث العلمية في العصر الحديث نقطة بالغة الأهمية؛ ذلك أن الأبحاث العلمية تشكل الحجر الأساس في تطوير البحث العلمي في أي دولة من الدول، كما أنه لا يمكن استئناف التطور والتقدم في أي مجال من المجالات دون البحث العلمي، فالبحث العلمي كفيل بأن يوفر دراسات معينة في مجال ما كي تُستَخدَم في تطوير هذا المجال.
وإذ يجدر القول أن المنهج العلمي مسألة تختص بها الفلسفة دون غيرها من العلوم؛ ذلك أن المنهج العلمي وما يتصل به من مسائل مثل تحديد الطريقة الأمثل للبحث في مسألة ما وتحديد المصادر والمراجع، كل هذه المسائل تتعلق بالمنهج العلمي، ولذلك وُضِعَت به الكتب المختلفة والمتعددة؛ تبيينًا لأساس البحث العلمي.
أما السبب في أن البحث العلمي يتصل بالفلسفة دون غيرها من العلوم؛ فهو لإن الفلاسفة أمثال كانط وهيجل تناولوا مناهج البحث العلمي في مؤلفاتهم، ولإن الفلسفة تبحث في المسائل الأساسية في كل علم، بما في ذلك البحث في أساسات علم المناهج وقضاياه التأصيلية والأولية، وبالتالي، يعد البحث في "البحث العلمي" من اختصاصات الفلسفة.
وتجدر الإشارة إلى أن أهمية هذا المبحث يكمن في إرشاد الباحثين العلميين إلى نسق معين من الدراسات وكيفية القيام بها بشكل واضح وسلس، فمن المعروف أن الأبحاث العلمية يجب أن تؤدى بطريقة معينة وواضحة، ولذلك ولهذه الغاية وُجِدَت المناهج العلمية المختلفة.
والمنهج العلمي لو أردنا تعريفه لقلنا أنه هو الطريقة المثلى التي يسير عليها الباحث العلمي/ الكاتب لغاية كتابة بحثه وتحديد مصادره والوصول لنتائجه وتوصياته، فهو عبارة عن خطوات متتابعة ومتتالية ومرتبة كي يستطيع الباحث كتابة البحث وتوضيحه وبيان أهم المفاهيم فيه.
وهو مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعمليات العقلية؛ بمعنى أن الباحث إذا أراد أن يكتب بحثًا ما، عمل على ترتيب الأفكار في دماغه وعقله، ومن ثم، بدأ في تسطير هذه الأفكار بشكل مكتوب وواضح، كي يستطيع الغير فهم هذه الأفكار واستيعابها بالشكل المطلوب، وبالتالي يستطيع الكاتب أن يوضح آراءه وأفكاره بشكل سهل.
وهو مرتبط بالعلم كذلك ارتباطًا وثيقًا، إذ المنهج البحثي يُستخَدَم لتطوير العلوم والمعارف بشتى أنواعها وأشكالها، فلا تقدم في البحث العلمي دون استعمال منهج بحثي متقدم يعمل على تطوير النتائج والتوصيات ويعمل على تنقيح ما توصلت إليه آخر الاكتشافات في المجال العلمي المعني بالبحث.
والمنهج العلمي لا يقتصر فقط على العلوم التطبيقية كالكيمياء والهندسة والفيزياء، بل يمتد حتى للعلوم الإنسانية كالقانون والتاريخ؛ إذ يتناول المنهج البحثي أهم الأمور التي من الممكن أن تطرأ على هذه العلوم وأهم النتائج التي تتوصل لها هذه العلوم، فمثلًا، في القانون، قد يتوصل باحث إلى ضرورة أن يتناول قانون معين سياسة عقابية معينة بخصوص أفعال بعض الأشخاص، فيأتي باحث آخر وينقض ما قاله الباحث السابق من ضرورة اتباع سياسة عقابية.
وقد يقول قائل أن العلوم الإنسانية ليس بها تجربة وليس لها أساس علمي موحد؛ إذ أن مفاهيمها ليست عبارة عن قوانين بل هي مفاهيم متغيرة مخترعة مبتدعة من قبل الإنسان؛ فيعني مثلًا الفيزياء والرياضيات عبارة عن حقائق ثابتة، بينما مثلًا القانون والفلسفة حقائقهما تتغير من مدرسة لأخرى ومن اتجاه لآخر.
فعليًا، نرد على هذا القول بأن البحث العلمي لا يقتصر فقط على الحقائق الثابتة، بل يمتد كذلك للحقائق المتغيرة والتي تمس حياة الإنسان بشكل مباشر، كما أنه وإن كانت هذه العلوم تتغير حقائقها من مدرسة لأخرى، إلا أن هنالك مفاهيم ثابتة بها مثل مفهوم (النظام العام) في القانون، أو مفهوم (الجوهر) في الفلسفة، فهذه المفاهيم وإن اختلف تعريفها من مدرسة لأخرى، إلا أن كل المدارس تتفق على وجود هذه المفاهيم.
ومن ثم، هنالك بالمنهج البحثي تحليل للظاهرة المراد تناولها، فمثلًا، لو فرضنا ظاهرة (الإجرام)، فهذه الظاهرة يتم تناولها بالمناهج البحثية القانونية والجنائية بالتحليل المفصل والتام، فيتم الحديث عن أسبابها وأنواعها وأشكالها ونتائجها وكيفية تفاديها...الخ من الأمور المتعلقة بهذه الظاهرة، فالمنهج البحثي يتعلق بالتحليل فلا بد من ذلك.
ولكن، التحليل يختلف من منهج بحثي لآخر، فهنالك بعض المناهج التي يكون التحليل فيها من خلال النقد والجدال والحوار كما في الفلسفة مثلًا، فعندما نقرأ مثلًا الكتب السقراطية -أي التي تتبع المنهج السقراطي- فإننا نرى أن الجدال هو الغالب على هذه الكتب، وأن المنهج السقراطي أساسه هو التوصل للنتائج من خلال الجدال والحوار، بينما مثلًا في المنهج الفلسفي الحديث فإن (الافتراض) هو أساس المنهج البحثي فيها؛ إذ يقوم الفيلسوف بافتراض نقاط معينة وعبر هذه النقاط يجاوب على أهم الأسئلة الفلسفية المطروحة.
إذًا، المنهج البحثي يختلف من علم لآخر ومن فلسفة لأخرى، حتى بالعلم الواحد يختلف المنهج البحثي من مدرسة لأخرى، فمثلًا، بعلم الفلسفة يختلف المنهج السقراطي عن المنهج الهيغلي عن المنهج الكانطي..الخ وهكذا لكل مدرسة معينة، وكذا الأمر بالنسبة للقانون، فالمنهج الذي في المدرسة الواقعية يختلف عن المنهج الذي تتبعه المدرسة الطبيعية وهكذا لبقية المدارس القانونية.
ولا يمكن الحديث عن مناهج البحث العلمي دون التطرق إلى أساس هذا المنهج؛ فأساس هذا المنهج هو العقلانية والحياد والموضوعية دون أي اعتبار لأي عوامل دينية أو سياسية أو عرقية أو عنصرية، إذ يجب على الباحث وضع معتقداته -مهما كانت نوعها- جانبًا، والقيام بالبحث العلمي بكل عقلانية، للوصول إلى أفضل النتائج؛ إذ أن إدخال العقائد المختلفة في البحث العلمي قد يشوهه، فمثلًا، إدخال الإدعاءات الدينية في المنهج الأركيولوجي قد يؤدي لاكتشاف نتائج خاطئة ومتحيزة علميًا، فيؤدي إلى ظهور الدراسة بشكل خاطئ وغير صحيح، وهو ما يتجنبه عادةً الباحثون.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن