|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 6 / 24
لا ضير في أن نحلم. بل إن الحلم، في الأزمنة المثقلة بالخيبات والانكسارات، يصبح ضرورة أخلاقية وتاريخية، لأنه التعبير الأسمى عن رفض الاستسلام لما هو قائم. غير أن الأحلام التي تترك أثرها في العالم ليست تلك التي تنمو في عزلة الأفراد، بل تلك التي تتشكل في الوعي الجماعي، وتنبض بتطلعات الناس وآمالهم المشتركة. لذلك لا يكفي أن نحلم، بل ينبغي أن نحلم معا.
فالحلم الجماعي ليس هروبا من الواقع، وإنما هو محاولة لإعادة تخيله على نحو أفضل. إنه القدرة على رؤية ما لم يولد بعد داخل ما يبدو ثابتا ومكتملا، والجرأة على الاعتقاد بأن ما هو كائن اليوم ليس بالضرورة ما سيكون غدا.
لكن الأحلام، مهما بلغت من الجمال والسمو، لا تصنع التاريخ بمفردها. فالتاريخ لا يتحرك بالرغبات المجردة، بل بالإرادة التي تحوّل الرغبة إلى فعل، وبالعمل الذي يمنح الأحلام أقداماً تمشي بها على الأرض. لذلك ينبغي أن نتمسك بأحلامنا، وأن نعمل في الوقت نفسه، بصبر وعناد ومثابرة، من أجل أن نجعل الواقع يقترب منها خطوة بعد أخرى.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء قصور من الخيال، بل في جعل الواقع أكثر اتساعا لأحلام البشر. أن نحول الأمل إلى قوة، والرغبة إلى مشروع، والوعي إلى ممارسة يومية قادرة على إحداث التغيير. فكل ما يبدو اليوم بديهيا وطبيعيا كان في لحظة سابقة مجرد حلم بعيد المنال.
ولذلك لا ينبغي أن ننسى، ولو للحظة واحدة، تلك الحقيقة العميقة التي أثبتتها التجربة الإنسانية مرارا: إذا كان الناس نتاجا للظروف التي يعيشون في ظلها، فإنهم في الآن نفسه قادرون على تغيير تلك الظروف وإعادة تشكيلها. فالإنسان ليس أسير التاريخ فقط، بل أحد صانعيه. وليس مجرد موضوع للأحداث، بل فاعل فيها أيضا.
إن صفحات التاريخ الكبرى لم تكتب على يد أولئك الذين قبلوا العالم كما وجدوه، بل على يد الذين امتلكوا الشجاعة الكافية ليحلموا بعالم آخر، ثم امتلكوا الإرادة الكافية للنضال من أجل تحقيقه. ومن هنا تنبع القيمة الحقيقية للحلم: ليس باعتباره عزاء مؤقتا، بل باعتباره بداية كل تحول عميق.
فلنحلم إذن، ولكن لنحلم معا. ولنعمل دون كلل من أجل أن نجعل الواقع يلامس أحلامنا، وأن نجعل المستقبل أكثر وفاء لما نحمله في قلوبنا من آمال. فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يصنعه الانتظار، بل يصنعه أولئك الذين يملكون الجرأة على الحلم، والشجاعة على الفعل.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |