|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
سعد بن علال
2026 / 6 / 24
ليست رواية وليمة لأعشاب البحر عملا أدبيا عاديا، ولا مجرد حكاية عن منفيين سياسيين يتنقلون بين الخراب والذاكرة. إنها، في جوهرها العميق، صرخة جيل كامل عاش الحلم الثوري العربي ثم استيقظ على أنقاضه. رواية عن الهزيمة، نعم، لكنها أيضا عن الأسباب التي صنعت الهزيمة، وعن الأوهام التي تلبست الحركة الثورية العربية وهي تبتعد تدريجيا عن مشروع التحرر الجذري.
في هذا السياق تأتي العبارة الشهيرة التي يضعها حيدر حيدر على لسان أحد شخصياته:
"إن قيادة حزب شيوعي تتخلى عن تعاليم لينين في استلام السلطة بعنف، وتنتهج النضال السلمي-الديمقراطي ليست أكثر من قيادة بيروقراطية، تحريفية، جبانة، تقدم حزبها بطواعية لسكين الرجعية. وتحت أي شعار؟ تحت الشعار الجبان: عدم نضج الظروف الموضوعية، والمراهنة على أنظمة البورجوازية الصغيرة الديمقراطية. هذا هو الشعار الذي أودى بنا إلى المذبحة أخيرا".
لا ينبغي قراءة هذا المقطع باعتباره دعوة أو وصفة سياسية جاهزة، بل باعتباره تعبيرا أدبيا عن الإحباط التاريخي الذي اجتاح أوساط واسعة من اليسار العربي بعد سلسلة من الهزائم والانكسارات. فالشخصيات في الرواية لا تتحدث من موقع المنتصر، بل من موقع المهزوم الذي يحاول فهم أسباب الكارثة.
إن السؤال المركزي في الرواية ليس سؤال السلطة فحسب، بل سؤال العلاقة بين الثورة والهزيمة. لماذا فشلت المشاريع التحررية العربية؟ لماذا تحولت التنظيمات التي ولدت من رحم التمرد إلى مؤسسات جامدة؟ لماذا أصبحت البيروقراطية جزءا من المشكلة بدل أن تكون أداة للحل؟
هنا تكمن قوة الرواية. فهي لا تكتفي بإدانة الأنظمة القائمة، بل توجه سهام النقد أيضا إلى المعارضة ذاتها، وإلى البنى الفكرية والتنظيمية التي عجزت عن قراءة التحولات الاجتماعية العميقة. فالهزيمة في عالم حيدر حيدر ليست مجرد نتيجة للقمع، بل هي أيضا نتيجة لأخطاء داخلية، ولنزعة دوغمائية جعلت كثيرا من التنظيمات أسيرة شعاراتها الخاصة.
لكن ما يجعل وليمة لأعشاب البحر عملا استثنائيا هو أنها تتجاوز السياسة المباشرة. فالمنفى في الرواية ليس جغرافيا فقط، بل وجودي أيضا. شخصياتها تعيش اغترابا مضاعفا: اغترابا عن الوطن الذي فقدته، واغترابا عن الأحلام التي انهارت. إنها شخصيات تسير فوق ركام اليقينيات الكبرى، وتحاول أن تجد معنى جديدا للحياة بعد سقوط المعنى القديم.
ومن هذه الزاوية، تبدو الرواية أقرب إلى مرثية طويلة لجيل عربي راهن على التغيير الجذري، ثم وجد نفسه محاصرا بين استبداد الدولة وأزمة الحركة الثورية نفسها. لذلك فإن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الأجوبة التي تقدمها، بل في الأسئلة التي تطرحها: كيف يمكن للنضال أن يتجنب التحول إلى بيروقراطية؟ كيف يمكن للثورة أن تحافظ على بعدها التحرري؟ وكيف يمكن للأمل أن ينجو من الهزيمة؟
بعد عقود من صدورها، ما تزال وليمة لأعشاب البحر تحتفظ براهنية لافتة، لأنها تذكرنا بأن الأزمات الكبرى لا تفهم عبر تمجيد الماضي أو لعن الحاضر، بل عبر ممارسة نقد جذري لا يستثني أحدا، بما في ذلك الذات نفسها. فالرواية، في النهاية، ليست احتفاء بالهزيمة، بل محاولة شجاعة لفهمها، لأن فهم الهزيمة هو الشرط الأول لتجاوزها.
ولهذا تبقى وليمة لأعشاب البحر واحدة من أهم الروايات العربية التي جعلت الأدب فضاء لمساءلة السياسة، وجعلت من السرد أداة لتفكيك الأوهام الكبرى التي صنعت مآسي القرن العشرين العربي، وما زالت تلقي بظلالها على حاضرنا حتى اليوم.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |