كوستيانتينيفكا: معركة المدينة الأخيرة أم مختبر الحروب المعاصرة؟

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 23

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


24 حزيران يونيو 2026


بين الرواية الروسية التي تتحدث عن إنهيار أحد أهم معاقل أوكرانيا في دونباس، والرواية الأوكرانية التي تصف مدينة تحتضر تحت وطأة حرب المسيّرات، تبرز مدينة "كوستيانتينيفكا" بوصفها واحدة من أكثر معارك الحرب الأوكرانية تعقيداً ودلالة. فالمعركة الدائرة حول هذه المدينة لا تتعلق فقط بالسيطرة على نقطة جغرافية أو عقدة مواصلات، بل تكشف أيضاً عن التحولات العميقة التي طرأت على طبيعة الحرب نفسها، وعن التداخل المتزايد بين الحسابات العسكرية والمأساة الإنسانية.

تقع كوستيانتينيفكا في شمال إقليم دونيتسك، على مسافة تقارب 55 كيلومتراً من مدينة دونيتسك، وتمثل عقدة مواصلات وسكك حديدية رئيسية تربط بين كراماتورسك وسلافيانسك ودروژكوفكا وبقية مناطق شمال دونباس. ولهذا السبب لم تكن المدينة مجرد مركز صناعي أو تجمع سكاني مهم، بل تحولت منذ سنوات إلى إحدى الركائز الأساسية للنظام اللوجستي والدفاعي الأوكراني في المنطقة.

ومن هنا يمكن فهم الأهمية الإستثنائية التي أولتها موسكو لمعركة المدينة خلال الأشهر الأخيرة. فالمصادر الروسية، سواء في صحيفة «إزفيستيا» أو «موسكوفسكي كومسوموليتس»، قدمت كوستيانتينيفكا بإعتبارها الحلقة التي يمكن أن يؤدي سقوطها إلى زعزعة كامل المنظومة الدفاعية الأوكرانية في شمال دونباس. وتحدثت هذه المصادر عن نجاح القوات الروسية في تنفيذ إختراقات تدريجية عبر تكتيكات المجموعات الهجومية الصغيرة، وعن قطع طرق الإمداد وإستهداف مراكز تشغيل الطائرات المسيّرة والمستودعات اللوجستية، وصولاً إلى السيطرة على أجزاء واسعة من المدينة ومناطقها الصناعية.

وتعكس هذه الرواية تصوراً روسياً أوسع للمعركة. فالأمر لا يتعلق بالسيطرة على مدينة بحد ذاتها، بل بفتح الطريق نحو تجمع سلافيانسك–كراماتورسك، الذي يُنظر إليه في موسكو بإعتباره آخر مركز دفاعي حضري كبير تحتفظ به كييف في دونباس. ولذلك فإن الحديث الروسي المتكرر عن دروژكوفكا وكراماتورسك وسلافيانسك لا يعبر عن أهداف منفصلة، بل عن تصور عملياتي واحد يهدف إلى تفكيك شبكة الدفاع الأوكرانية عبر الضغط المتزامن على عقدها الرئيسية.

غير أن الصورة تبدو مختلفة تماماً عند النظر إليها من الجانب الأوكراني والغربي. ففي التقرير الميداني الذي أعده المصور الأمريكي الحائز على جائزة بوليتزر "تايلر هيكس" لصحيفة نيويورك تايمز، لا تظهر كوستيانتينيفكا كهدف عسكري بقدر ما تبدو مدينة تموت ببطء. فبدلاً من الحديث عن المحاور والإختراقات والخطوط الدفاعية، يركز التقرير على المدنيين الذين بقوا في الأقبية، وعلى فرق الإغاثة التي تحاول إجلاء من تبقى من السكان، وعلى الشوارع التي تحولت إلى ممرات موت تخضع لرقابة مستمرة من الطائرات المسيّرة.

وتكشف هذه الرواية عن بعد مختلف للحرب. فبينما تنظر المصادر العسكرية إلى السيطرة على المدينة بإعتبارها إنجازاً عملياتياً، يطرح التقرير سؤالاً أكثر جوهرية: ماذا يبقى من المدينة عندما يغادر معظم سكانها وتتحول مبانيها إلى أنقاض؟ لقد كانت كوستيانتينيفكا تضم قبل الحرب نحو سبعة وستين ألف نسمة، لكن عدد المقيمين فيها تراجع بصورة دراماتيكية مع إستمرار القصف والعمليات العسكرية، حتى أصبحت مناطق واسعة منها شبه خالية من السكان.

ومع ذلك، فإن أكثر ما يلفت الإنتباه في الروايتين الروسية والأوكرانية معاً هو إتفاقهما الضمني على حقيقة أساسية: الطائرات المسيّرة أصبحت العامل الحاسم في المعركة. فالمصادر الروسية تتحدث عن السيطرة على «السماء المنخفضة» وإنشاء مناطق تمنع فيها حركة المسيّرات الأوكرانية، بينما يصف الجانب الأوكراني واقعاً تصبح فيه كل حركة على الأرض هدفاً محتملاً. ويشير ضباط أوكرانيون إلى أن مئات وربما آلاف المسيّرات تحلق يومياً فوق المدينة ومحيطها، ما يجعل أي عملية نقل أو إمداد أو إجلاء مهمة محفوفة بالمخاطر.

وهنا تتجلى إحدى أهم التحولات العسكرية التي كشفتها الحرب الأوكرانية. ففي العقود السابقة كانت التحصينات والخنادق والمباني الخرسانية تمثل أساس الدفاع في الحروب البرية. أما اليوم فإن القدرة على الرصد المستمر من الجو، وتكامل المسيّرات مع المدفعية وأنظمة الإستطلاع، قللت كثيراً من فعالية كثير من أساليب الدفاع التقليدية. لقد تحولت السماء المنخفضة إلى ساحة القتال الحقيقية، وأصبح من يملك القدرة على الرؤية الدائمة يمتلك أفضلية إستراتيجية تتجاوز أحياناً أهمية التفوق العددي أو الناري.

كما تكشف معركة كوستيانتينيفكا عن تحول آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الإنتقال من حروب المناورة السريعة إلى حروب الإستنزاف طويلة الأمد. فلا الرواية الروسية تتحدث عن إنهيار سريع للجبهة الأوكرانية، ولا الرواية الأوكرانية تنكر التقدم الروسي. بل إن الطرفين، رغم إختلاف إستنتاجاتهما، يقدمان صورة متشابهة لطبيعة القتال: تقدم بطيء، وإستهلاك هائل للموارد، وإعتماد متزايد على الإستنزاف اللوجستي والناري.

وفي هذا السياق، يبدو أن الإستراتيجية الروسية الحالية تقوم بدرجة كبيرة على عزل ومحاصرة ساحات القتال قبل إقتحامها. فالحديث المتكرر عن قطع الطرق والجسور وعقد السكك الحديدية يعكس فهماً مفاده أن السيطرة على اللوجستيات قد تكون أكثر أهمية من السيطرة المباشرة على المباني. ومن وجهة النظر هذه، تصبح المدينة هدفاً ثانوياً مقارنة بشبكة الإمداد التي تسمح لها بالصمود.

لكن حتى إذا إفترضنا نجاح روسيا في فرض سيطرة كاملة على كوستيانتينيفكا، فإن ذلك لا يعني تلقائياً إنهيار الدفاعات الأوكرانية في شمال دونباس. فمدينتا كراماتورسك وسلافيانسك أكبر حجماً وأكثر أهمية من الناحية السياسية والعسكرية، كما أن أي تقدم إضافي سيواجه تحديات لوجستية وبشرية متزايدة. ولذلك فإن معركة كوستيانتينيفكا، مهما بلغت أهميتها، تبقى جزءاً من صراع أوسع لم تُحسم نتائجه النهائية بعد.

ومن منظور أوسع، يمكن النظر إلى كوستيانتينيفكا بإعتبارها نموذجاً مكثفاً للحرب الأوكرانية في مرحلتها الحالية. فهي تجمع بين حرب الخنادق وحرب الإستنزاف وحرب المسيّرات، وبين التنافس على الجغرافيا والصراع على اللوجستيات، وبين الحسابات العسكرية الباردة والمأساة الإنسانية اليومية. إنها مدينة تكشف كيف يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تغير شكل القتال، وكيف يمكن للحرب أن تحول مراكز صناعية وسكنية مزدهرة إلى فضاءات شبه خالية من البشر.

ولعل المفارقة الكبرى التي تجسدها كوستيانتينيفكا هي أن الأطراف المتحاربة تتصارع على مدينة تتآكل تدريجياً تحت وقع المعارك. فبينما يتحدث العسكريون عن السيطرة والتحرير والتطويق، يتحدث المدنيون عن البقاء والملاجئ والطعام والمغادرة. وبين هذين المستويين تتجسد حقيقة الحرب المعاصرة: فالإنتصار العسكري قد يغير الخرائط، لكنه لا يعيد تلقائياً الحياة إلى المدن التي دمرها الصراع.

ولهذا فإن الأهمية التاريخية لمعركة كوستيانتينيفكا قد لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في كونها إحدى أوضح النماذج التي تكشف طبيعة الحرب في القرن الحادي والعشرين؛ حرب تُدار بواسطة شبكات الإستطلاع والطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة، لكنها في النهاية تترك آثارها الأعمق على البشر الذين يجدون أنفسهم عالقين في قلبها.

*****

المصادر والمراجع

1. صحيفة نيويورك تايمز، تقرير ميداني من إعداد تايلر هيكس بالتعاون مع غاييل جيربيس حول الأوضاع الإنسانية والعسكرية في مدينة كوستيانتينيفكا، 25 أيار/مايو 2026.

2. صحيفة إزفيستيا الروسية، «في إختراق موحّد: كيف يجري القضاء على المجموعة الأوكرانية المحاصرة في كونستانتينوفكا»، بقلم بوغدان ستيبوفوي ورومان كريتسول، 16 حزيران/يونيو 2026.

3. صحيفة موسكوفسكي كومسوموليتس الروسية، «على بولتافا أن تستعد: بدأت نهاية القوات الأوكرانية في كونستانتينوفكا»، بقلم داريا فيدوتوفا، العدد رقم 29785، 15 حزيران/يونيو 2026.

4. وكالة تاس الروسية للأنباء، تصريحات دينيس بوشيلين حول التطورات الميدانية في محور كونستانتينوفكا والسيطرة على طرق الإمداد المؤدية إلى المدينة، 14 حزيران/يونيو 2026.

ملاحظة
إعتمدت الدراسة على تحليل ومقارنة مصادر روسية وأوكرانية وغربية متعددة، بهدف تقديم قراءة متوازنة للتطورات العسكرية والإنسانية المرتبطة بمعركة كوستيانتينيفكا ضمن سياق الحرب الدائرة في دونباس.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن