نبي جبران خليل جبران ونبي هنري زغيب ، محمد عبد الكريم يوسف

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 6 / 23

نبي جبران خليل جبران ونبي هنري زغيب
مقدمة
في عام 1923، أهدى جبران خليل جبران العالم كتابه الخالد “النبي”، الذي اعتبره “أفضل ما تصوره روحه”. بعد مائة عام، وفي سياق الاحتفال بمئوية هذا العمل العالمي، أصدر الشاعر اللبناني هنري زغيب ترجمة جديدة له بعنوان “النبي: المئوية 2023”. لم تكن هذه الترجمة مجرد إعادة صياغة للنص بل مشروعاً طموحاً لتجديد لغة “النبي” وجعله أقرب إلى روح العصر. طرح هذا المشروع سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لنبي جبران أن يعيش من جديد في صياغة مختلفة، وهل يصبح هنري زغيب بذلك “نبيًا” جديدًا للكلمة العربية؟
أولاً: نبي جبران: خلود الفكرة ورهان الترجمة
عند صدوره، أحدث “النبي” ثورة في الفكر والأدب. الكتاب، الذي يروي قصة “المصطفى” وهو يودع أهل مدينة “أورفاليس” ويقدم لهم في 26 فصلاً تأملاته في الحياة والحب والعمل والحرية، تجاوز كونه مجرد عمل أدبي ليصبح مرجعية روحية وفلسفية. وقد لخص جبران نفسه مكانة هذا الكتاب قائلاً إنه “أفضل ما تصوره روحه”.
الميزة الفريدة لـ “النبي” تكمن في قدرته على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان. وكما يرى زغيب نفسه، فإن عبقرية جبران لا تقاس بالسنوات بل هي مطبوعة في جيناته. لكن عبقرية “النبي” شكلت تحدياً كبيراً للمترجمين. فبين ترجمة الأرشمندريت أنطونيوس بشير (1923)، التي نال فيها جبران إعجابه، وترجمات ميخائيل نعيمة (1956) وثروت عكاشة (1959) ويوسف الخال (1968) وسواهم، ظل النص العربي يتقادم وتتغير اللغة التي يقرأ بها الأجيال الجديدة.
ثانياً: نبي هنري زغيب: التجديد الجريء
1- دوافع الترجمة: تحديث لغة النبي
عندما شرع هنري زغيب في ترجمته، كان دافعه الأساسي هو التحديث اللغوي. فهو يعتبر أن اللغة، كأي كائن حي، تتجدد قاموساً وأسلوباً كل فترة، ولغة اليوم الرشيقة غير تلك التي كانت سائدة في عشرينات القرن الماضي. من هنا رأى أن ينقل “النبي” إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم مع الحفاظ على الأمانة للغة جبران الأصلية. هذا التوجه يعني أن زغيب لم يكتفِ بنقل المعنى، بل سعى إلى إعادة خلق النص بأسلوب معاصر دون تحريف روح جبران.
2- أسلوب الترجمة: السكب في قالب جديد
في ترجمته، لم يتقيد زغيب بالترجمة الحرفية، بل فضل “سكب” النص العربي في لغة رشيقة هي بنت عصره اليوم لا عصر جبران. هذا المفهوم أثار جدلاً واسعاً، حيث اتهمه بعض النقاد بتشويه نبي جبران، معتبرين أنه اخترع مفهوماً هجيناً للترجمة يتنافى مع أصولها. بالمقابل، رأى آخرون أن زغيب نجح في بعث النص من جديد، وأنه “مرّر جبران عبر لغته إلينا، فخرج النص كأنه يُكتب الآن”.
3-استقبال الترجمة: بين التشويه والإبداع
أثارت ترجمة زغيب ردود فعل متباينة. ففي حين رحب بها البعض باعتبارها “الترجمة الوحيدة التي التقطت جوهر معنى المصطفى دون عيب”، اعتبرها آخرون “تشويهاً لنبي جبران”. لكن بغض النظر عن الآراء المتضاربة، فإن ترجمة زغيب نجحت في تحقيق هدفها الأساسي: جعل “النبي” أكثر قدرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة، لا سيما الشباب والطلاب الجامعيين، من خلال لغة أكثر رشاقة وملاءمة لروح العصر.
ثالثاً: مقارنة بين النبيين
نبي هنري زغيب (الترجمة العربية)
اللغة: عربية حديثة رشيقة، تراعي نبض اليوم، مع تحديث المفردات والأسلوب دون تحريف المعنى.
الأسلوب: أكثر انسيابية وسلاسة، مع تجنب التراكيب المكررة.
الهدف: مخاطبة الإنسان المعاصر وإيصال رسالة جبران إلى الأجيال الجديدة.
الجدل: أثار جدلاً بين من يرونه تشويهاً ومن يعتبرونه تجديداً ناجحاً.
الاستقبال: استقبال متباين، لكنه نجح في تحقيق هدفه في تحديث النص وجعله قريباً من القارئ العربي اليوم.
نبي جبران (الأصل الإنجليزي)
اللغة: إنجليزية تعتمد لغة تبشيرية سكبها في إيقاع العصر (1923)، مع تراكيب واستعارات كانت رائجة آنذاك.
الأسلوب: أقرب إلى البطء والتأمل، مع تكرار بعض التراكيب.
الهدف: مخاطبة الإنسان في عصره (ما بعد الحرب العالمية الأولى).
الجدل: نال إعجاب جبران نفسه وأصبح مرجعية عالمية.
الاستقبال: استقبال عالمي وإشادة فورية من النقاد.

خاتمة
في النهاية، لا يمكن القول إن هنري زغيب “خلق” نبيًا جديدًا، بقدر ما يمكن القول إنه أعاد اكتشاف نبي جبران بلغة جديدة تتناسب مع روح العصر. ترجمته هي محاولة جريئة لتجديد أساليب التعبير التي تعامل معها الأجيال السابقة، دون المساس بجوهر الفكر الجبراني. شكوك البعض حول “تشويه النص” ربما تعبر عن حساسية تجاه أي تدخل في عمل أصبح شبه ديني في الذاكرة الجماعية. لكن من زاوية أخرى، فإن قدرة “النبي” على التجدد بهذه الطريقة هي دليل على خلوده. النصوص العظيمة لا تموت، بل تتجدد مع كل جيل وكل لغة جديدة. وفي هذا السياق، يمكن القول إن هنري زغيب قد نجح في أن يكون شريكاً في حياة “النبي”، وليس مجرد ناقل له. فقد جعل هذا الكتاب يتنفس من جديد، كما لو كان يكتب الآن. وهكذا، يظل “النبي” حياً، متجدداً، ومخاطباً للإنسان في كل زمان ومكان.
المراجع (References)
زغيب، ه. (2023). النبي: المئوية 2023 (ترجمة جديدة). منشورات مركز التراث اللبناني، الجامعة اللبنانية الأميركية.
نبي جبران خليل جبران. (1923). (Original work published 1923).
الشرق الأوسط. (2023، أغسطس 5). هنري زغيب: أردت أن أنقل «النبي» إلى عربية حديثة تراعي نبض اليوم. https://aawsat.com/ثقافة-وفنون/4472281[reference:15]
المجلة. (2023، سبتمبر 1). مترجم جديد يشوّه “نبي” جبران. https://www.majalla.com/node/298656[reference:16]
ليبانون تابلويد. (2023، سبتمبر 13). هنري زغيب في “النبي”: الجرأة في الصياغة. https://www.lebanontab.com[reference:17]
SBS Arabic. (2023، يوليو 21). ترجمة جديدة في مئوية “النبي”: “توفي جبران ذات يوم وما زال يولد كل يوم”. https://www.sbs.com.au/language/arabic/ar/podcast-episode/a-new-translation-in-the-centenary-of-the-prophet-gibran-died-one-day-and-he-is-still-being-born-every-day/u3ffii6gw[reference:18]
LAU News. (2023، أغسطس 9). From Orphalese to LAU, Khalil Gibran’s Prophet Returns. https://news.lau.edu.lb/2023/from-orphalese-to-lau-khalil-gibrans-prophet-returns.php[reference:19]
روائي عمر سعيد. (2023). النبي من جبران إلى هنري زغيب: الماضي ليس شيئًا ينتهي (منشور على فيسبوك). Facebook.
زغيب، ه. (2023، ديسمبر 16). “النبي” كما “وَضَعَهُ في العربية” يوسف الخال (أزرار رقم 1297). النهار. https://www.henrizoghaib.com/النبي-كما-وَضَعَهُ-في-العربية-يوسف-ال/[reference:21]

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن