|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 6 / 23
عنوان ذو مكانة ساطعة في عالم الأدب والبراعة في سبر أغوار النفس البشرية، كونه يخص إحدى روائع عملاق الأدب الروسي والعالمي فيودور ميخايلوفيتش دستويفسكي.
اشتق دستويفكسي اسم بطل الرواية "راسكولنيكوف" من الكلمة الروسية "راسكول"، وتعني المُنْشَق، أو المتمرد على منظومة الأخلاق العامة، مدفوعًا باعتقاده أنه انسان متفوق يثبت تفوقه بارتكاب جريمة قتل بدوافع أخلاقية ونفسية واجتماعية.
راسكولنيكوف شاب جامعي، عمره 23 عامًا. يميل نحو الفكر الاشتراكي، فلا يطيق الاستغلال والجشع، خاصة عندما يكون ضحاياهما من الفقراء والمسحوقين والمهمشين. وهو فوق ذلك، مُعتد بنفسه، رغم فقره الشديد هو وأسرته وتضم بالإضافة إليه والدته وشقيقته. من هنا، ومن خلال بطل الرواية راسكولنيكوف، يقسم دستويفسكي المجتمعات الانسانية إلى قسمين: عاديون، وغير عاديين، أو متميزون وعامة. المتميزون غير العاديين، يبيحون لأنفسهم تجاوز القانون وفعل ما يرونه صحيحًا من وجهة نظرهم. هؤلاء يكسرون القانون بتعبير دستويفسكي، وهم مُدَمِّرون بحكم مَلَكَاتهم. جرائمهم متفاوتة في خطورتها وأساليب ارتكابها. ولا مشكلة عند الواحد منهم أن يخطو فوق جثة أو بِركة دم وضميره مرتاح. فكل شيء رهن بمضمون ما يدور في رأسه. المتفوقون يتجاوزون قيود المجتمع وأعرافه وقوانينه، لتحقيق ما يرونها أهدافًا سامية. تسيطر هذه الفكرة على راسكولنيكوف، فيندفع بحكم قناعاته إلى قتل العجوز المرابية أليونا ايفانوفنا وشقيقتها الصغرى اليزافيتا، رغم تعاطفه مع الثانية، لأن الأولى تضطهدها بأساليب لا تُحتمل. لم يترك راسكولنيكوف أية أدلة على ارتكابه جريمة القتل، وقد وجد نفسه في هذا السياق مضطرًا لقتل اليزافيتا لأنها الشاهد الوحيد على ارتكابه الجريمة.
لكن راسكولنيكوف لم يقتل بدافع القتل، ولا رغبة بالسرقة، بدليل أنه أخفى ما وضع في جيوبه من محتويات صندوق العجوز القتيلة تحت صخرة في مكان بعيد ولم يفكر ببيع أي قطعة منها. الهدف الرئيس للقتل، تجسده الفِقرات الثلاث التالية، عميقة المغزى وقوية الدلالة. يقول راسكولنيكوف:" أنا لم أقتل انسانًا، وإنما قتلت مبدأً. ولكن لئن قتلت المبدأ، فإنني لم أستطع أن أتخطاه، بل بقيت في الجهة التي كنت فيها. كل ما استطعت أن أفعله هو أنني قتلت، حتى أنني كما تبين لم أعرف كيف أقتل...". إذن، راسكولنيكوف لا يرى أنه قتل انسانة، هي العجوز المرابية أليونا ايفانوفنا، بل قتل "حشرة" بتعبيره في الرواية، وفي قتله لهذه الحشرة فكأنما وجه ضربة قاتلة للجشع والاستغلال وفاء لمبادئه. ونرى أن هذا ما قصده في قوله "لم أقتل انسانًا، وإنما قتلت مبدأً".
هذا على صعيد "الجريمة"، ولكن ماذا عن "العقاب"؟
لم يكن السجن، وإن خطر ببال راسكولنيكوف الاعتراف للجهات المعنية بفعلته، لكنه عقاب نفسي تجسد بحالة من التفكير العاصف المتوتر والهذيان وزخات من الكوابيس تكاد توصله إلى الجنون. لا يكاد مشهد العجوز غارقة بدمائها يبرح ذاكرته، وقد صار يكلم نفسه: "أيكون هذا هو العقاب؟ نعم، نعم، إن هذا هو العقاب".
كما داهمته حُمَّى جعلته طريح الفراش، ورغم تعافيه منها إلا أنه ظل أسير حالة الهذيان والشك والاضطراب النفسي.
يقدم دستويفسكي صورًا في غاية الروعة والاثارة لحالة راسكولنيكوف النفسية، حيث تتملكه وساوس أن كل من يتعامل معهم ويراهم حوله يعرفون أنه القاتل. هذا الشعور يخنقه، ويجعله دائم البحث عن خلاص، حتى لو كان الاعتراف. لكنه يثوب إلى رشده فجأة في اللحظات الأخيرة، ويتراجع لقناعته بعدم وجود دليل يدينه.
يتهيأ للقارئ أن دستويفسكي يلتمس عذرًا لراسكولنيكوف، بأسلوب يستبطن سؤالًا أو صرخة تُشهر سؤال:"أين العدالة؟". فإذا كان قتل انسان لانسان آخر جريمة، فمن الأولى محاسبة أمثال نابليون بونابرت، الذي "ضرب طولون بالمدافع، وارتكب مذبحة في باريس، ونسي جيشًا كاملًا في مصر، وتسبب بازهاق أرواح نصف مليون رجل في موسكو...". يقول دستويفسكي بهذا الشأن على لسان راسكولنيكوف:"ليهرق الناس ما شاؤوا من الدم. فما سال منه وما سيسيل جازفًا على الأرض، يُهرق كما تُسفح الشامبانيا، ومن أجله يُتوجون في الكابيتول، ويُرفعون إلى مصاف المحسنين للانسانية". هنا، يتأكد سؤال دستويفسكي الاستنكاري عن العدالة، وليس التماس العذر لراسكولنيكوف. في هذه العِبارات صرخة تُجَرِّم ارتكاب الجرائم باسم مصالح الأكثرية، فكم من قائد سفك الدم ونُحِتت له التماثيل ووُضعت على رأسه أكاليل الغار؟!
لا يخفي دستويفسكي في هذه الرواية، كما في ابداعاته الأدبية كلها، انحيازه للناس البسطاء والفقراء والمهمشين. ويمثلهم في الرواية راسكولنيكوف وأمه وشقيقته، وعائلة مارميلادوف، الذي أدى به ادمانه على الخمر إلى ترك وظيفته المرموقة وهو ما انعكس على الوضع المعيشي لأسرته. الملاذ الوحيد لاعاشة هذه الأسرة، الفتاة صونيا ابنة مارميلادوف. فبعد وفاته بسبب وقوعه وهو في حالة سكر شديد تحت عربة تجرها الخيول، اضطرت صونيا إلى بيع جسدها لاطعام اخوتها الصغار من أبيها وأمهم المريضة بالسل. يؤكد دستويفسكي تعاطفه مع هذه الفتاة والفئات المهمشة الفقيرة بعبارة بليغة عميقة الدلالة: "إن أعظم رجل، هو صاحب أعظم حزن في هذه الدنيا". بتركيزه على هذه الفئات، فإنما يسلط دستويفسكي أضواء كاشفة على التفاوت الطبقي في المجتمع الروسي في تلك الأزمنة.
وعن صونيا، يقول دستويفسكي عبارة لافتة ذات دلالة: "الجمال سينقذ العالم". الجمال هنا ليس جمال المرأة، بل جمال المضمون والجوهر.
الجريمة والعقاب رواية فريد من نوعها، يتأتى تميزها الابداعي من الجمع بين الرفعة في فن الكتابة والتعبير عن مكنونات النفس البشرية. في صفحات هذه الرواية، يقدم دستويفسكي لقرائه لوحات نابضة بالحياة عما يختلج في أعماق النفس البشرية وتجلياته النفسية والسلوكية وما يعتريها من صراعات وتناقضات. رواية جديرة بالقراءة في كل عصر، كما سائر منجزات دستويفسكي الابداعية، وفي كل مرة يجد القاريء فيها جديدًا، وبشكل خاص في مجالي فلسفة الحياة والتحليل النفسي.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |