|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 23
في البلدان التي تحترم ذاكرتها، لا يُترك الذين شيدوا جدران الدولة وحملوا أعباءها عقوداً طويلة على أرصفة النسيان، ولا تتحول سنوات الخدمة إلى أوراق صفراء تذروها الرياح كلما تبدلت الأنظمة وتغيرت العناوين السياسية. فالأوطان الحقيقية لا تقيس أبناءها بمواقف الأزمنة المتقلبة، بل بما قدموه من جهد وعمر وعرق ووفاء، لأن الإنسان في نهاية المطاف ليس رقماً في سجل إداري، بل تاريخ يمشي على قدمين، وذاكرة وطن كاملة تختصرها تجاعيد وجهه وشيب رأسه وانحناءة ظهره.ثلاثة وعشرون عاماً مرت على رجال تجاوزت أعمار كثير منهم السبعين عاماً، وهم يقفون عند أبواب العدالة ينتظرون أن يفتح لهم باب أُغلق بقرار، وأن يعود إليهم حق سُلب منهم باسم إجراءات سياسية وإدارية تجاوزها الزمن وبقيت آثارها تطاردهم حتى اليوم. ثلاثة وعشرون عاماً ليست رقماً عابراً في سجل المظالم، بل عمر كامل من الانتظار والحرمان والأسئلة التي لم تجد جواباً، وعقود من القلق والخوف من المرض والفقر والوحدة والشيخوخة.إن المأساة لا تكمن فقط في انقطاع راتب أو تأخر استحقاق، بل في ذلك الشعور القاسي الذي يتسلل إلى قلب الإنسان حين يكتشف أن سنوات خدمته الطويلة قد أُودعت في خزائن النسيان، وأن الدولة التي خدمها أكثر من ثلاثة عقود لم تعد تتذكره إلا بوصفه ملفاً مؤجلاً أو قضية مؤجلة أو رقماً مؤجلاً. وهنا يبدأ الوجع الحقيقي؛ لأن الإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر، لكنه يصعب عليه أن يتحمل الإحساس بأن تاريخه كله أصبح بلا قيمة.إن هؤلاء ليسوا غرباء عن العراق، ولم يهبطوا عليه من وراء البحار، بل هم أبناء هذا الوطن الذي عاشوا فيه وخدموا مؤسساته وساهموا في إدارة مرافقه وأمضوا أكثر من خمسة وثلاثين عاماً في العمل الوظيفي. هم جزء من تاريخ العراق الإداري والاجتماعي، وجزء من ذاكرته المؤسسية، وأي حديث عن العدالة لا يمكن أن يتجاوز حقيقة أنهم مواطنون عراقيون لهم ما لغيرهم من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات.
ولعل أكثر ما يثير الحيرة أن النصوص القانونية نفسها تقف شاهدة على أحقيتهم. فالمادة (28) أولاً من قانون التقاعد الموحد رقم (27) لسنة 2006 جاءت واضحة لا تحتمل التأويل حين نصت على أن: «يستحق الراتب التقاعدي كل من أكمل خدمة فعلية في الدولة لا تقل عن خمس عشرة سنة ولا يزال على قيد الحياة وحُرم منها لأي سبب كان قبل نفاذ هذا القانون». وإذا كانت الخدمة المطلوبة خمس عشرة سنة، فإن هؤلاء قد تجاوزت خدماتهم الفعلية خمسةً وثلاثين عاماً، وإذا كان القانون قد اشترط بقاء المستحق على قيد الحياة، فهم ما زالوا أحياءً يحملون ملفاتهم وأوجاعهم وأحلامهم المؤجلة، ينتظرون تطبيق نص قانوني واضح لا يحتاج إلى تفسير بقدر ما يحتاج إلى إرادة إنصاف.ولم يقف الأمر عند حدود النص القانوني، بل إن مجلس شورى الدولة في قراره رقم (2) لسنة 2007 الصادر بتاريخ التاسع من كانون الثاني من العام نفسه أكد مبدأً قانونياً بالغ الأهمية عندما بيّن أن الفصل من الوظيفة لا يحرم الموظف من حقوقه التقاعدية المستحقة قانوناً، وأن المشمولين بإجراءات اجتثاث البعث ممن تنطبق عليهم الشروط القانونية يحق لهم الحصول على حقوقهم التقاعدية وفق أحكام القانون. وهذا الرأي لم يكن مجاملة لأحد، بل كان انتصاراً لمفهوم الدولة القانونية التي تفرق بين الحق الشخصي والقرار السياسي، وبين المال الخاص والموقف العام.فأموال التقاعد في جوهرها ليست هبة من أحد، وليست صدقة من حكومة، وليست منحة موسمية تمنح أو تمنع وفق المزاج السياسي. إنها أموال اقتطعت من رواتب أصحابها شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة، ودفعت إلى صندوق التقاعد بوصفها استحقاقاً مستقبلياً مضموناً. ولذلك فإن حرمان أصحابها منها لا يعني فقط تعطيل نص قانوني، بل يعني أيضاً المساس بحقوق مالية اكتسبت بقوة القانون والعمل والاقتطاع المستمر طوال سنوات الخدمة.ومع مرور الزمن، تحولت القضية من ملف قانوني إلى قضية إنسانية مؤلمة. فهؤلاء الرجال الذين كانوا يوماً يقفون خلف مكاتب الدولة أو يديرون دوائرها أو يؤدون واجباتهم الوظيفية، أصبحوا اليوم يواجهون الشيخوخة بأجساد أنهكها المرض وأعمار أثقلتها السنين. بعضهم يعيش في بيوت مستأجرة مهدداً بالطرد، وبعضهم يقضي أيامه بين المستشفيات والصيدليات، وبعضهم لم يعد يطلب من الحياة سوى الحد الأدنى من الكرامة الذي يكفل له شراء دواء أو دفع إيجار أو إعالة أسرة تنتظر منه ما لم يعد قادراً على توفيره.إن الحرمان المستمر لثلاثة وعشرين عاماً لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراءً إدارياً عادياً، لأن الزمن نفسه حوله إلى شكل من أشكال العقوبة المفتوحة. فحين يُحرم الإنسان من حقه سنة أو سنتين قد يقال إن هناك إشكالاً أو تأخيراً، أما حين يمتد الحرمان لأكثر من عقدين من الزمن فإن المسألة تتجاوز الإجراءات لتصبح سؤالاً أخلاقياً كبيراً عن معنى العدالة نفسها. أي عدالة هذه التي تترك الشيوخ يشيخون أكثر وهم ينتظرون؟ وأي دولة يمكن أن تطمئن إلى ضميرها وهي ترى رجالاً أفنوا أعمارهم في الخدمة يقفون في آخر الطريق بأيدٍ فارغة؟. إن الأمم لا تُقاس بعدد أبراجها ولا بحجم ثرواتها فقط، بل بالطريقة التي تعامل بها كبار السن وأصحاب الحقوق. والعدالة الحقيقية لا تُختبر في حماية الأقوياء، بل في إنصاف الضعفاء الذين لم يبق لهم من العمر ما يكفي لمزيد من الانتظار. فالرجل عندما يبلغ خريف العمر لا يعود يحلم بالمناصب ولا بالمكاسب، وإنما يبحث عن كرامة تحفظ ما تبقى من أيامه.إن قضية هؤلاء ليست قضية فئة أو جماعة أو ملف إداري مؤجل، بل قضية ضمير وطني قبل أن تكون قضية قانونية. فالعراق الذي أنجبهم وخدموه عقوداً طويلة أكبر من أن يضيق بحقوق أبنائه، وأوسع من أن يتركهم أسرى الانتظار إلى ما لا نهاية. ومن هنا فإن تطبيق أحكام المادة (28) من قانون التقاعد الموحد رقم (27) لسنة 2006، والالتزام بمبادئ قرار مجلس شورى الدولة رقم (2) لسنة 2007، لا يمثلان منحة استثنائية أو امتيازاً خاصاً، بل يمثلان عودة الحق إلى أصحابه وإنصاف رجال حملوا اسم العراق في مؤسساته سنوات طويلة.ويبقى السؤال معلقاً في ضمير كل مسؤول وصاحب قرار: كم يحتاج الإنسان من العمر كي يثبت أنه يستحق حقه؟ وكم سنة أخرى ينبغي أن تمر حتى تعود العدالة إلى أصحابها؟ فالمظالم مهما طالت لا تموت، ودموع الشيوخ لا تضيع، وحقوق الناس قد تتأخر لكنها تبقى معلقة في عنق الزمن حتى تجد من ينصفها. وما أقسى أن يرحل الإنسان عن الدنيا وهو ما زال ينتظر حقاً كتبه له القانون منذ سنوات طويلة، وما أجمل أن تنتصر العدالة قبل أن تغلق الشيخوخة آخر أبواب الانتظار.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |