كوليت خوري..... دمشق أنا

محمد عبد الكريم يوسف
2026 / 6 / 22

كوليت خوري (1931 - 2026) واحدة من أبرز الأصوات النسائية التي ساهمت في رسم ملامح هذه الموجة عبر مشوارها الأدبي الطويل الذي امتد لأكثر من ستة عقود. تنطلق هذه القراءة الدافئة من مفهوم "النقد المتعاطف"؛ فهي لا تهدف إلى محاكمة الشاعرة، بل إلى الغوص في أعماق تجربتها الشعريّة لفهم الطريقة التي حوّلت بها قيودها الشخصية وقهرها الاجتماعي إلى أداةٍ للتحرر عبر الكلمة. سنتوقف في رحلتنا عند رؤيتها الفريدة للكتابة والصورة، وكيف جسّدت هذا التحرّر في "الحب" و"الوطن" على حدٍ سواء، مُظهرةً قدرة الشاعرة على بناء تمردها الأدبي من قلب دائرتها الخاصة وبإيقاعٍ شعري شجيّ.
من بيت النخبة إلى استثناء الأدب النسوي: مسيرة التكوين والجرأة
وُلدت كوليت خوري في دمشق لعائلة عريقة عُرفت بالسياسة والثقافة؛ فهي حفيدة رئيس الوزراء الأسبق فارس الخوري، وابنة سهيل الخوري وليلى كحالة. لكن اسم "كوليت" نفسه، الذي اختاره والدها إعجابًا بالأديبة الفرنسية الشهيرة، كان بمثابة تكريسٍ مبكّر للاختلاف. تلقّت تعليمها المبكر في مدارس الراهبات والليسيه، ثم تنقلت بين دراسة الحقوق في اليسوعية في بيروت وإنهاء الإجازة في اللغة الفرنسية وآدابها بدمشق.
آمنت كوليت خوري بأن الجرأة الأدبية التي عبّرت عنها كانت انعكاسًا لرغبةٍ في التحرر من القيود الاجتماعية أكثر من كونها تمردًا سياسيًا. في زمنٍ كانت الكتابة النسوية فيه محكومةً بسقفٍ منخفض من الجرأة، جاءت كوليت لتكتب عن الحب والرغبة من داخل التجربة الأنثوية نفسها، لا من خارجها. لم تكن تكتب عن المرأة بوصفها موضوعًا، بل بوصفها ذاتًا كاملة تفكّر وتشعر وتختار.
جوهر الثورة: الكلمة كفعل مقاومة
تتلخص رؤية كوليت خوري في أقوى تعريفٍ لها للكتابة، حين قالت: "بما أنني شعرت دائمًا بالحاجة للتعبير عما حدث في داخلي، الحاجة إلى الاحتجاج، والحاجة إلى الصراخ، وبما أنني لم أكن أريد أن أصرخ بحنجرتي، فقد صرخت بأصابعي وأصبحت كاتبة". من خلال هذه العبارة، نرى الصورة الشعرية كيف تتحوّل إلى فعلٍ وجودي: الحاجة إلى الصراخ لا تُلبيها الحنجرة التي قد تخون أو ترتبك، بل "الأصابع" التي تكتب في هدوءٍ أقوى من أيّ ضجيج.
هذه الرؤية تضع تجربتها في سياق أدبي أنثوي أوسع، إذ تقترب من نظريات الكتابة النسوية الفرنسية (écriture féminine) التي تؤكد على وجود لغة أنثوية خاصة تحاول كسر القوالب الذكورية التقليدية للسرد واللغة.
أبعاد التمرد: بين الحب والوطن
1-تمرد الحب: الحب كفضاء للمواجهة
يرتبط شعر كوليت خوري ارتباطًا وثيقًا بـ "الفضيحة الشاعريّة" التي أحدثتها روايتها الأولى "أيام معه" (1959)، والتي أعادت تشكيل النقاش حول علاقة المرأة بالحب. نقرأ في قصيدتها "لحظات تنفّس في الغزل" (1984) تعقيدات العاشقة التي تسأل حبيبها:
مالك تسألني عن أخباري ...
كأننا طوال أيامٍ ما رسمنا
وقْع المفاجآت الآتية
... مشتاقة إليك وأنت معي
كأنّني لا أراك ولا أسمعك.
في هذه السطور، تتحوّل الصورة من سؤالٍ عابر إلى تكتيكٍ دفاعي وحنينٍ مرير. تساؤل الحبيب يتحول إلى انتهاك للحميمية، وكأنه محاولة للعودة إلى بداية العلاقة. لكن سرعان ما تعلن الشاعرة عن اغترابها الوجودي في الحب: حضور الحبيب الجسدي لا يعادل حضوره العاطفي، فتجد نفسها "مشتاقة إليه وهو معها"، فهي تعيش غربةً دائمة حتى في أحضان الحب.
2- تمرد الهوية: الوطن كحبيبة ثانية
لم تكن ثيمة الحب الوحيدة في شعر كوليت، إذ انعطف صوتها الشعري نحو رؤيةٍ أخرى للوطن ليجعلها تنفرد بخيارٍ فريد: جعلت من "دمشق" حبيبةً أساسية، متجاوزةً بذلك العلاقة الرومانسية الفردية التي هيمنت على شهرتها الأدبية. في النص الذي صاغته بمناسبة مئوية الشاعر سعيد عقل، تقول:
"أنا الخلفية الأنثوية العريقة لكل حب عاشه سعيد عقل في حياته
»أنا الشام«...
أنا الشام... تدفّقُ بَرَدى، سندسُ الغوطة، شذى الورد...
أنا السيفُ الدمشقي. أنا المجد.. أنا الأميرة المكلّلة بالغار...".
في هذا النص، تتحوّل دمشق من مجرد مكان إلى "حبيبةٍ ثانية"، بل إلى هويةٍ شاملة تمتزج فيها الطبيعة والتاريخ والقوة (السيف). هذه الرؤية تنسجم مع توجهها الوطني الذي تجلى أيضًا في كتابتها عن حرب أكتوبر 1973، مثل مجموعتها "الأيام المضيئة" (1984) التي تناولت الانتصار العسكري.
الإرث الأدبي: المقامرة على الورق وكسر الصمت
لقد كانت حياة كوليت خوري الشعرية مقامرة كبيرة: فهي راهنت على قدرة اللغة، سواء بالفرنسية أو العربية، على أن تكون أداةً للتحرر من قيود مجتمعها المحافظ. بدأت مشوارها الأدبي باكرًا بنشر قصائدها الأولى بالفرنسية عام 1957 في ديوان "عشرون عاماً" (Vingt ans)، حيث عبّرت فيه عن سخطها من القيود الاجتماعية، ووصفت محاولاتها وتخبّطاتها في الحب. تلاه ديوانها الثاني "رعشة" (Frisson) عام 1960.
بهذا، تجاوزت كوليت خوري أدب المنازل لترفع صوتها عالياً. استطاعت بريشتها أن تلوّن الحقيقة بألوان الكلمة لا بألوان "العار"، وأن تنحت لنفسها مكاناً في ذاكرة الأدب العربي كنموذجٍ نسائي استثنائي، جمعت فيه بين جرأة نادرة وأناقة مفرطة.
قائمة المراجع
1. أمينة عباس. (2026، أبريل 10). دمشق تودّع كوليت خوري، فرانسواز ساغان العرب [مقالة].
2. العربي الجديد. (2026، أبريل 11). كوليت خوري.. من ريادة التمرد الفردي إلى فخاخ السلطة [مقالة].
3. كوليت الخوري. (1984). لحظات تنفس في الغزل قصيدة.
4. كوليت الخوري. (2020، سبتمبر 28). كوليت خوري: أنا الشام [مقالة]. القدس العربي.
5. النخبة. (2026). كوليت خوري.. القلادة الأجمل في جيل الأدب السوري الذهبي [مقالة].
6. ويكيبيديا. (بدون تاريخ). كوليت الخوري. تم الاسترجاع في 10 يونيو، 2026،

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن