من صفحات التاريخ - «لا حرب»: آخر مناورة دبلوماسية لستالين قبل 22 حزيران يونيو 1941

زياد الزبيدي
2026 / 6 / 21

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


22 حزيران يونيو 2026


في 14 حزيران يونيو 1941، نشرت الصحف السوفياتية بياناً لوكالة الأنباء السوفياتية (تاس) أصبح، على مدى عقود، مادة لجدل تاريخي حاد ونظريات مؤامرة واسعة. كان البيان ينفي بشدة أي نية ألمانية لخرق معاهدة عدم الإعتداء ومهاجمة الإتحاد السوفياتي، مؤكداً أن مثل هذه الشائعات «ليس لها أي أساس من الصحة»، وأن العلاقات السوفياتية الألمانية «متينة»، وأن الإشاعات عن إقتراب الحرب «كاذبة وإستفزازية». وأشارت الوكالة إلى بريطانيا كمصدر رئيسي لهذه الشائعات.
بعد ثمانية أيام فقط، في 22 حزيران يونيو، تحول هذا البيان إلى صدمة لكل من أخذه على محمل الجد.
يصف الكاتب كونستانتين سيمونوف ذلك التأثير في مذكراته قائلاً: «في كثير من كتب المذكرات عن الفترة الأولى للحرب قرأت عن بيان تاس في 14 يونيو 1941 وعن التأثير المضلل الذي مارسه. وهكذا كان الأمر فعلاً». لكنه يضيف: «رغم ذلك، عند إعادة قراءة هذا البيان الآن، أعتقد أنه يمكن إعتباره وثيقة كان من الممكن، في ظروف أخرى مصاحبة، أن تهدئ وتنبه في الوقت نفسه»، وفي أغلب الظن أن ستالين أراد منه بالون إختبار.

بين الثقة بهتلر والتحذيرات الإستخباراتية

أثار البيان، خاصة في فترة البيريسترويكا عندما تجدد الجدل حول الحرب، إتهامات لستالين بأنه تجاهل تحذيرات الإستخبارات السوفياتية، وفي مقدمتها تقارير الجاسوس المقيم في طوكيو "ريخارد زورغه"، وآمن بدلاً من ذلك بصدق هتلر.
لكن هل كان الأمر بهذه البساطة؟ هل كان ستالين سياسياً ساذجاً إلى درجة الإعتقاد بأن الألمان، الذين سبق لهم خرق ميثاق مع بولندا، سيحترمون ميثاقهم مع موسكو؟ وهل حشد مليوني جندي على الجبهة هو محض مناورة عسكرية؟

يعود أليكسي ستاتسينكو في تحليله إلى أحداث مايو 1941 ليرسم صورة أكثر تعقيداً. في بداية الشهر، كتب ستالين رسالة شخصية إلى أدولف هتلر يسأله عن أسباب تركيز قوات ألمانية كبيرة قرب الحدود السوفياتية، مشيراً إلى أن ذلك «يوحي بنيته شن حرب ضد الإتحاد السوفياتي».
رد هتلر في 14 مايو، موضحاً أن الإنسحاب سيبدأ في 15-20 يونيو، ومبرراً الحشد بـ«تنظيم القوات بعيداً عن أعين البريطانيين وبعد العمليات الأخيرة في البلقان»، حيث وصل عدد الفرق إلى حوالي 80 فرقة.

لغز رحلة رودولف هيس وتداعياتها

قبل ذلك بأيام قليلة، في 10 مايو 1941، قام رودولف هيس، نائب هتلر في الحزب، بقيادة طائرة عبر القناة الإنجليزية وهبط بالمظلة في بريطانيا. أبلغ البريطانيين أنه جاء بعروض سلام، ودعا لإمكانية عقد سلام، بل تحالف، ضد الإتحاد السوفياتي. علم السوفيات بالأمر عبر "كيم فيليبي"، العميل السوفياتي في الإستخبارات البريطانية، لكن تفاصيل العروض بقيت غامضة، ولا تزال بريطانيا تحتفظ بها سرا حتى عام 2040.
يلاحظ ستاتسينكو أن قصف الطيران الألماني لبريطانيا توقف بعد رحلة هيس بفترة قصيرة. ورغم نفي لندن أي إتفاق رسمي، وتصريح ونستون تشرشل بأن هيس أسير، فإن وقف الأعمال القتالية النشطة أثار تساؤلات عميقة في الكرملين.


الإستعدادات العسكرية السوفياتية في الخفاء

لم يكن البيان مجرد تعبير عن الوهم. يشير ستاتسينكو إلى أدلة على تحركات سوفياتية مضادة. في 13 مايو، أصدرت هيئة الأركان العامة توجيهاً بنقل أربعة جيوش (الـ16 والـ19 والـ21 والـ22) — حوالي 30 فرقة — من المناطق الشرقية إلى الحدود القديمة تحت غطاء تدريبات، مع التركيز على أوكرانيا. كما بدأ تشكيل خمسة فيالق إنزال جوي في نهاية أبريل، وإستدعاء 800 ألف جندي احتياطي في مايو وأوائل يونيو، وأُمر بتخزين الذخيرة في الدبابات، وبناء نقاط قيادة ميدانية وتعزيز خطوط التحصينات.
في الوقت نفسه، كانت ألمانيا تشن حملة تضليل واسعة. نشرت صحيفة «فولكيشر بيوباختر» في 12 يونيو مقالاً لجوزيف غوبلز بعنوان «كريت كنموذج»، يوحي بإمكانية تكرار عملية كريت ضد بريطانيا. أمر هتلر بسحب النسخة، لكنها وصلت إلى السفارات الأجنبية. كانت هذه جزءاً من جهد أكبر لإيهام موسكو.


تناقضات تقارير زورغه والإستخبارات

لم تكن التحذيرات الإستخباراتية متسقة. ينقل ستاتسينكو عن زورغه نفسه: في مارس 1941 تحدث عن هجوم بعد إنتصار ألمانيا على بريطانيا، وفي مايو عن نهاية الشهر مع تحفظ «قد يمر الخطر هذا العام»، ثم عن منتصف يونيو موعدا للهجوم الألماني. أما العميل المزدوج "أوريستيس برلينغس" فكان يؤكد عدم حدوث هجوم.
يقول المارشال ألكسندر فاسيليفسكي: «في 14 يونيو إنتهى الشهر الذي وعد فيه هتلر ستالين بسحب قواته... لكن التعزيزات الألمانية زادت، مما عزز الشكوك في سلام سري بين بريطانيا وألمانيا».


وظائف بيان تاس المتعددة

يحلل ستاتسينكو البيان كمناورة دبلوماسية ذكية.
أولاً، كان يضع هتلر أمام إختبار: إذا أراد السلام فعلاً، كان يجب أن يؤيده. ولكن ذلك لم يحدث .
ثانياً، كان يهدف إلى إظهار سياسة سلمية سوفياتية لتمهيد الطريق لتحالف مضاد للهتلرية، الذي تحقق لاحقاً. سجل غوبلز في يومياته في اليوم التالي: «كان رد تاس أقوى مما كان يُتوقع... من الواضح أن ستالين يريد، بلهجة ودية مؤكدة، أن يزيل عن نفسه أي ذريعة لإتهامه بإشعال الحرب».


التأثير الداخلي والتناقض العسكري

داخلياً، أدى البيان إلى تضليل المواطنين والعسكريين. يذكر ستاتسينكو أن البطل المستقبلي للدفاع عن قلعة بريست، الرائد بيتر غافريلوف، تلقى توبيخاً بسبب تحذيراته من هجوم وشيك، وكان من المقرر مناقشة أمره في 27 يونيو. ومع ذلك، إستمرت الإستعدادات السوفياتية: نقل فرق إلى الحدود بين 12-15 يونيو، أوامر بتحسين التمويه في 19 يونيو، ورفع الجاهزية في الأسطول، ونقل مقرات القيادة.
يخلص كونستانتين سيمونوف إلى تفسير جوهري: «من الناحية الدبلوماسية كان ظهور هذا الوثيقة ضرورياً، لكن داخل البلاد كان يجب أن تُرافقها إجراءات معاكسة تماماً... لو أُعلنت الجاهزية القتالية مع البيان، لكان فُهم كوثيقة دبلوماسية موجهة للخارج وليس للداخل. لكن هذه الإجراءات لم تأتِ».
يُقدم مقال أليكسي ستاتسينكو رواية متوازنة تتجاوز التبسيطات التقليدية. لم يكن بيان 14 يونيو دليلاً على غفلة ستالين وحده، بل جزءاً من لعبة دبلوماسية وإستخباراتية معقدة في ظل غموض كبير حول نوايا بريطانيا وألمانيا. كان مناورة أخيرة قبل العاصفة، جمعت بين الخداع والتحضير، وبين الأمل في تجنب الحرب والإستعداد لها. وفي النهاية، كشفت الأحداث عن حدود الدبلوماسية في مواجهة قرار إستراتيجي لا رجعة فيه.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن