|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد الضبياني
2026 / 6 / 21
لم يعد السؤال في العراق: لماذا تراجعت الدولة؟ لأن هذا السؤال يفترض أن ما جرى كان خطأً عابرًا أو نتيجة أزمة مؤقتة، بينما الواقع يكشف أن الانحدار لم يعد حادثًا استثنائيًا، بل تحول إلى أسلوب إدارة، وإلى فلسفة حكم، وإلى نظامٍ يعيد إنتاج نفسه كلما ازداد فشلًا. فالسلطة التي لا تتعلم من أخطائها لا تعيش أزمة، وإنما تؤسس لعقيدة سياسية ترى في الخراب وسيلةً للبقاء، لأن الدولة القوية تفرض القانون، أما الدولة الضعيفة فتمنح النفوذ، والدولة الناجحة تصنع مواطنًا، أما الدولة الفاشلة فتصنع تابعًا ينتظر ما يُمنح له بدل أن يحصل على ما يستحقه.ليست المأساة أن يحتل العراق مراتب متأخرة في التعليم، أو الصحة، أو حرية التعبير، أو الديمقراطية، أو الأمن، أو الصناعة، أو الزراعة، أو الاستقرار المالي، أو أن يكون من أكثر دول العالم معاناة من التلوث والإجهاد المائي، فهذه ليست أرقامًا منفصلة، وإنما وجهٌ واحد لحقيقة واحدة؛ وهي أن الدولة فقدت بوصلتها. التعليم الذي يحتل ذيل التصنيفات العالمية لا يعني مدارس سيئة فحسب، بل يعني أن المستقبل يُدار بعقلٍ لا يؤمن بالمستقبل أصلًا، والصحة المتراجعة لا تعني نقص الدواء فقط، بل تعني أن قيمة الإنسان أصبحت أقل من قيمة الصفقات، والفساد الذي يضع البلاد في المراتب المتأخرة ليس انحرافًا فرديًا، بل اقتصادٌ كامل يعيش على بقاء المؤسسات ضعيفة، لأن قوة الدولة تعني نهاية الامتيازات غير المشروعة.خلال أكثر من عشرين عامًا لم يكن ينقص العراق المال، ولا الموارد، ولا الطاقات البشرية، بل كان ينقصه شيء واحد فقط؛ فكرة الدولة. فالثروة حين تقع في يد إدارة عاجزة تتحول إلى لعنة، والمؤسسات حين تُبنى على المحاصصة تصبح هياكل بلا روح، والدستور حين يُفسر وفق المصالح يتحول إلى ورقة تفاوض، والقانون حين يُطبق على الضعيف ويُعطل أمام القوي يفقد معناه الأخلاقي قبل أن يفقد هيبته القانونية.الأخطر من الفساد أن يصبح الفساد لغةً طبيعية، والأخطر من الفشل أن يتحول الفشل إلى واقعٍ معتاد، والأخطر من انهيار الخدمات أن يعتاد المواطن انقطاع الكهرباء، ورداءة التعليم، وتدهور المستشفيات، وسوء الطرق، حتى يصبح كل ذلك جزءًا من الحياة اليومية لا يثير الغضب. عندها لا تكون الدولة قد خسرت مشاريعها فقط، بل خسرت قدرة المجتمع على رفض الانهيار، لأن الإنسان حين يتصالح مع الخراب يصبح شريكًا في استمراره وإن لم يكن مسؤولًا عنه.
ولذلك فإن التقارير الدولية ليست إهانة للعراق، بل هي مرآة تكشف ما تحاول الخطابات السياسية إخفاءه. فلا يمكن لأي خطاب أن يقنع العالم بنجاح تجربةٍ تتراجع في معظم مؤشرات التنمية، ولا يمكن تحويل الفشل إلى إنجاز عبر الشعارات، لأن لغة الأرقام أكثر نزاهة من لغة المنابر. فحين يحتل التعليم مراتب متأخرة، والصحة تتراجع، وحرية التعبير تضيق، والديمقراطية توصف بأنها نظام هجين أو استبدادي، والأمن يتراجع، والصناعة تكاد تختفي خارج النفط، والزراعة تنكمش، والمياه تتناقص، والاستقرار المالي يترنح، فإن القضية لم تعد قضية حكومة، بل قضية نموذج حكم أثبت عجزه عن إنتاج دولة حديثة.لقد نجحت السلطة في صناعة شيء واحد بإتقان؛ وهو إنتاج الأعذار. فكل إخفاق يجد له تفسيرًا، وكل أزمة تجد من يبررها، وكل فشل يُلقى على الماضي، أو المؤامرات، أو الظروف، وكأن الزمن وحده هو من يحكم البلاد. غير أن الأمم لا تسقط بسبب المؤامرات بقدر ما تسقط حين تصبح عاجزة عن مواجهة نفسها. فالاعتراف بالحقيقة هو بداية الإصلاح، أما إنكارها فهو بداية الانهيار الطويل.الدول العظيمة لا تُقاس بعدد الخطب، ولا بعدد اللافتات، ولا بحجم الشعارات، وإنما تُقاس بقدرتها على تحويل الضرائب إلى خدمات، والثروات إلى تنمية، والسلطة إلى مسؤولية، والقانون إلى عدالة، والتعليم إلى قوة، والجامعة إلى مصنع للعقول، والمستشفى إلى مكان يحفظ كرامة الإنسان، والطريق إلى دليل على احترام المواطن. أما حين تتحول السياسة إلى سوق للمغانم، فإن كل وزارة تصبح جزيرة معزولة، وكل مؤسسة تتحول إلى ملكية خاصة، وكل منصب يصبح استثمارًا لا مسؤولية.إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي بلد ليس الفقر، فالفقر يمكن هزيمته، وليس قلة الموارد، فالعديد من الدول الفقيرة أصبحت من أكثر دول العالم تقدمًا، وإنما الكارثة الحقيقية هي أن تتحول السلطة إلى مشروع دائم لإنتاج الفشل، وأن يُدار الانهيار بوصفه حالة مستقرة، وأن يصبح الخراب جزءًا من آلية الحكم نفسها. عندها لا يكون السؤال: لماذا تأخرنا؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا: كم جيلًا آخر سيدفع ثمن هذا النموذج الذي أثبت، عامًا بعد آخر، أن بقاءه أهم عند أصحابه من بقاء الدولة نفسها؟
إن التاريخ لا يحاكم الدول على حجم ثرواتها، بل على كيفية إدارتها، ولا يسأل كم امتلكت من النفط، بل ماذا صنعت به، ولا يتذكر عدد الحكومات، بل يتذكر ما إذا كانت قد بنت وطنًا أم أدارت انهياره. وبين البناء والانهيار لا تفصلنا المسافات، بل تفصلنا الإرادة السياسية، لأن الدولة لا تسقط في يوم واحد، وإنما تسقط كل يوم حين يُكافأ الفشل، ويُحمى الفاسد، ويُهمَّش الكفوء، ويُترك المواطن وحيدًا يواجه وطنًا كان يفترض أن يحميه، فإذا به يطالبه، كل صباح، أن يتعايش مع الانهيار وكأنه قدر لا يمكن تغييره.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |