كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (4) السيطرة على الدول المُسْتَولى عليها

عبدالله عطوي الطوالبة
2026 / 6 / 21

يبدأ مكيافيلي الجزء الرابع من كتابه "الأمير" باستحضار صعوبات الاستيلاء على دويلات جديدة، مُنْطَلِقًا من تعجب البعض من عدم تمرد الولايات الآسيوية التي احتلها الإسكندر على خلفائه بعد وفاته.
يتناول مكيافيلي الموضوع بشىء من التفصيل، فيرد ذلك إلى أن التاريخ يسجل طريقتين لحُكم الممالك: إما أن يكون متمثلًا في أمير وأتباعه العاملين كوزراء إلى جانبه بحيث يشاركون في السلطة بدعمه وتأييده، أو أن يكون الحُكْمُ لأمير ومعه عدد من البارونات، الذين لا يستمدون قوتهم من الأمير، وإنما يعتمدون على أصالة عائلاتهم القديمة. ويقول إن لهؤلاء البارونات دويلات ورعايا خاصين بهم يعدونهم أسيادهم. في الدول التي يحكمها الأمير وأتباعه، يكون له سلطان أكثر، إذ لا يوجد في الدولة من هو أعلى منه مقامًا، حيث يأتمر الوزراء والمسؤولون بأوامره.
وعلى سبيل المقارنة للتوضيح، بستحضر مكيافيلي نموذجي الحكم التركي والفرنسي. فالمملكة التركية يحكمها حاكم واحد، والباقون خدامه. وقد قسَّمَ الحاكم التركي مملكته إلى سنجقيات، هو من يُعيِّن إدارييها ويُغيرهم ويستدعيهم حسب هواه. أما ملك فرنسا، فمحاطٌ بعدد كبير من قدامى النبلاء، وهم ذوو مكانة يعرفها رعايا الدولة. وهم لذلك محبوبون من الرعايا، ولهم امتيازات لا يستطيع الملك حرمانهم منها، وإذا فعل فإنه يغامر بتعريض نفسه للخطر. على اساس هذه المقارنة، يخرج مكيافيلي بنتيجة مفادها أن الدولة التركية من الصعب جدًّا الإستيلاء عليها، ولكن السيطرة عليها سهلة جدًّا لأسباب عديدة في حال هزيمتها. أما مملكة فرنسا، فمن السهل جدًّا اسقاطها، لكن السيطرة عليها أمر شديد الصعوبة.
يعيد مكيافيلي أسباب صعوبة احتلال المملكة التركية إلى أن الغازي لن يجد ترحيبًا من ولاة الحاكم والمقربين منه، ولا أمل لديه بحركات تمرد يقودها أحدٌ من هؤلاء إذ يصعب إفسادهم لأنهم جميعًا عبيد للسلطان وأتباع له. وحتى لو أمكن إفسادهم فلن يستفيد الغازي منهم كثيرًا، لأن الشعب لن ينضم إليهم. لذا، فمن يرغب بالهجوم على سلطان الأتراك الاعتماد على قواته وألا يراهن على إمكانية حدوث تمرد داخلي لصالحه من رجال السلطان. ولكن بمجرد إيقاع هزيمة واحدة في معركة واحدة بالأتراك بحيث لا يمكنهم بعدها إعادة تكوين الجيش، فلن يكون على الغازي خطرٌ سوى من العائلة المالكة، فإذا أُبيدت (لاحظ اللغة الدموية!) هذه الأسرة، لن يوجد بعد ذلك من نخشاه. أما الآخرون، الذين كانوا حول الملك قبل النصر، فلا خوف منهم بعده، برأي مكيافيلي. فإذا كان المنتصر لم يعلق عليهم أي أمل قبل النصر، فلا خشية منهم بعده. والعكس صحيح في الممالك، التي تُحكم كما مملكة فرنسا. فبالإمكان استمالة بعض باروناتها، إذ لا بد أن بينهم ساخطين ومحبين للتغيير. هؤلاء يمكن أن يفسحوا الطريق للغازي ويسهلوا له النصرَ. لكن في حالة كهذه، تبدأ المشكلات بالظهور إذا أراد الغازي المنتصر الاحتفاظ بالمملكة الجديدة، ومصدرها الذين ساعدوه والذين تعسَّفَ معهم على حدٍّ سواء. هنا، لا يكفي التخلص من أسرة الأمير السابق، لأن النبلاء باقون وسيتزعمون الثورات الجديدة. ولن تستطيع إرضاءهم أو القضاء عليهم، وقد تفقد الولاية عندما تحين أول فرصة.
في سياق نصائحه للأمير وإخباره بما لم يُخبِرهُ به غيره، ينتقل مكيافيلي إلى طرق السيطرة على الدول التي يُستولى عليها، إذا كانت من النوع المعتاد على الحياة الحرة في ظل قوانينها الخاصة. طرق السيطرة بحسبه ثلاث: إما أن يُلغي الأمير هذه القوانين، أو أن يذهب بنفسه ويعيش هناك، أو أن يسمح لها بالإستمرار على قوانينها السابقة مع دفع الجزية. ولا بد طبعًا من وجود حكومة في كل دولة يستولي عليها الأمير من الموالين له، تعرف أن استمرارها من دون رضاه وحمايته. وينبه مكيافيلي الأمير أن المدينة التي اعتادت الحياة بحرية يمكن السيطرة عليها من خلال مواطنيها أكثر من أي طريقة أُخرى. ويورد مكيافيلي بعض الأمثلة من وقائع تلك الأزمنة وأحداثها، وتخص الإسبرطيين والرومان.
يستطرد مكيافيلي في نصائحه الدموية بمعايير الإنسانية والمقبولة بمعايير التوحش، قائلًا: من يصبح حاكمًا لمدينة حُرة ولا يدمرها فليتوقع أن تقضي هي عليه، لأنها ستجد دائمًا الدافع للتمرد بإسم الحرية وبإسم أحوالها القديمة. ويضيف على سبيل المقارنة: وعندما تكون المدن والأقاليم قد ألِفَتِ الحياة في ظل أمير وأُسرة حاكمة، ثم تختفي هذه الأسرة تمامًا، فإن رعاياها الذين اعتادوا الطاعة لن يختاروا أميرًا من بينهم يتحدون تحت رايته، لأنهم لا يعرفون حياة الحرية. لهذا، لن يُقدِموا على حمل السلاح بسرعة، وسيتمكن الأمير من الانتصار عليهم بسهولة شديدة ومن دعم موقفه وتأمينه.
لكن في الجمهوريات، والكلام لمكيافيلي، تكون الحياة أفضل والعداء أشد، كما أن الرغبة في الانتقام تكون أشد، فالناس لا تتخلى بسهولة عن حريتها. لذا، فالطريقة الأكيدة هي إما تخريب هذه الجمهوريات أو أن نقيم فيها.
والآن صديقنا القارئ، نعتقد أنك بدأت تدرك، إذا لم يسبق لك قراءة كتاب "الأمير" لمكيافيلي، لماذا يميل إليه الطُّغاة والتوسعيون على حساب أراضي غيرهم وحقوقهم، وأهمها الحق في الحياة؟!!!
(يتبع).

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن