قراءة نقدية كونية إنسانية للأديب الجزائري -إبراهيم عثمان - لقصيدة «عبقات الرماد عند عتبات النهر»

سعد محمد مهدي غلام
2026 / 6 / 21

من منظور المدرسة النقدية الكونية الإنسانية وفلسفة الأمل
تمثل قصيدة «عبقات الرماد عند عتبات النهر» تجربة شعرية تتجاوز حدود البوح الذاتي إلى فضاء إنساني كوني تتداخل فيه الذاكرة والمنفى والحب والهوية والعودة. ومن منظور المدرسة النقدية الكونية الإنسانية، فإن النص لا يُقرأ بوصفه خطابا عاطفيا فرديا فحسب، بل باعتباره رحلة وجودية للإنسان في بحثه الأبدي عن المعنى وسط الخراب.
أولا: جدلية الماء والرماد
يقيم الشاعر بنيته الرمزية على ثنائية مركزية:
الماء: رمز الحياة والذاكرة والتجدد.
الرماد: رمز الفقد والانطفاء والتحول.
لكن النص لا يفصل بينهما، بل يخلقهما في صورة واحدة مدهشة:
"يا رماد المياه"
وهنا يبلغ الرمز ذروة كثافته؛ فالماء الذي يفترض أن يكون حياة يتحول إلى رماد، والرماد الذي يفترض أن يكون موتا يحتفظ بأثر الماء. إنها صورة إنسان العصر الذي يحمل الحياة والموت معا، ويحمل الأمل في قلب الخيبة.
وفق فلسفة الأمل، لا يمثل الرماد نهاية الأشياء، بل المرحلة التي تسبق تشكل المعنى الجديد. ولذلك يبقى الشاعر قادرا على العودة رغم كل الانكسارات.
ثانيا: الأنا الكونية لا الأنا الفردية
تبدو القصيدة في ظاهرها خطابا موجها إلى امرأة أو حبيبة غائبة، لكن القراءة الكونية تكشف أن المخاطب يتسع ليصبح:
الوطن.
الذاكرة.
الروح الإنسانية.
الفردوس المفقود.
فالضمير الأنثوي هنا ليس شخصا محددا، بل رمزا للمطلق الإنساني الذي يسعى إليه الشاعر.
حين يقول:
"كنتِ مرآة صحرائي"
فإن الصحراء ليست جغرافيا، بل فراغا وجوديا يبحث عن انعكاسه في الآخر.
وهكذا يتحول الحب من علاقة بين شخصين إلى محاولة لترميم التشظي الكوني للإنسان.
ثالثا: المنفى بوصفه حالة كونية
المنفى في النص لا يقتصر على الابتعاد عن العراق، بل يصبح حالة إنسانية عامة.
يقول:
"وها أنا أرجع من غبار المنافي إلى العراق"
العراق هنا يتجاوز حدوده الوطنية ليغدو رمزا للأصل الأول، للمكان الذي يسكن داخل الإنسان مهما ابتعد عنه.
ومن منظور المدرسة النقدية الكونية، فإن العودة ليست انتقالا مكانيا، بل استعادة للذات المبعثرة في أزمنة القلق.
ولهذا يبدو الفرات في النص كائنا حيا:
"الفرات يربت الذكرى على ضفتيه"
فالطبيعة لا تُوصف، بل تشارك الإنسان آلامه وخلاصه.
رابعا: الحوار الحضاري بين الأزمنة
من أبرز خصائص النص انفتاحه على شخصيات ورموز من حضارات متعددة:
حافظ الشيرازي.
ولادة بنت المستكفي.
زرقاء اليمامة.
علي جعفر العلاق.
نازك الملائكة.
هذا الحضور لا يأتي بوصفه استشهادا ثقافيا، بل بوصفه بناء لحوار إنساني عابر للقرون.
فالقصيدة تؤكد أن الوجع الإنساني واحد، وأن الحب والمنفى والأسئلة الوجودية تتكرر بأشكال مختلفة عبر التاريخ.
وهذا ما تسميه المدرسة النقدية الكونية بـ«وحدة الخبرة الإنسانية الكبرى».
خامسا: فلسفة الأمل في قلب الانكسار
رغم امتلاء النص بالمفردات الحزينة:
البكاء. النهب. المحاق. المنافي. الجرح.
الرماد.
إلا أن القصيدة لا تسقط في العدمية.
فالشاعر ينهض مرارا:
"أسقط ملحا على العتبة
وأنهض جمراً عتيقاً وماء"
القيام بعد السقوط هو جوهر فلسفة الأمل.
الأمل هنا ليس تفاؤلا ساذجا، بل قدرة الإنسان على الاستمرار رغم معرفته بحجم الخسارة.
إنه أمل مقاوم، يولد من داخل الجرح لا من خارجه.
سادسا: البنية الموسيقية الكونية
التكرار الإنشادي لعبارة:
"ألا يا ساقي..."
يشكل لازمة صوفية تربط أجزاء النص.
الساقي في القراءة الكونية ليس شخصا، بل قوة روحية تمنح المعنى للوجود.
ومع كل تكرار يتغير موضوع الكأس:
كأس الذكرى. كأس الدمع. كأس المحاق. كأس الرماد. كأس الفرات.
وكأن الشاعر يمر عبر مقامات روحية متتابعة تشبه رحلة السالك في التجربة الصوفية.
الخلاصة الكونية الإنسانية
إن «عبقات الرماد عند عتبات النهر» ليست قصيدة حب أو حنين فحسب، بل ملحمة وجدانية صغيرة عن الإنسان المعاصر وهو يعبر بين الماء والرماد، بين الوطن والمنفى، بين الذاكرة والنسيان.
لقد نجح سعد غلام في تحويل التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية شاملة، وجعل من الفرات رمزا للذاكرة الكونية، ومن الرماد مادة لإعادة بناء الأمل.
ومن منظور المدرسة النقدية الكونية الإنسانية الكبرى، فإن القيمة العليا للنص تكمن في أنه لا يقدّم الخراب باعتباره نهاية، بل يقدمه بوصفه بداية أخرى للروح؛ فالإنسان، مهما أثقلته المنافي، يبقى قادرا على العودة إلى نهره الداخلي، حيث تظل جذوة الأمل مشتعلة تحت طبقات الرماد.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن