|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حسين سالم مرجين
2026 / 6 / 20
خلال نقاش دار في الأيام الماضية مع عدد من الأصدقاء من السودان الشقيق حول منصات التواصل الاجتماعي، طرح الدكتور وليد مبارك فرضية عميقة تستحق فعلًا أن تُناقش بجدية داخل مجتمع باحثي علم الاجتماع العربي. وتتلخص فرضيته في أن منصات التواصل الاجتماعي في أصل نشأتها ومحتواها لم تُصمم أساسًا لاستهداف الفضاء العربي. بل صُممت بدرجة أكبر لملء فراغ يعاني منه الفضاء الغربي؛ فراغ يرتبط تاريخيًا بتفكك بعض شبكات العلاقات الاجتماعية الجسدية، وبضعف أو هشاشة التواصل الإنساني المباشر بين الأفراد في مراحل معينة. ومن هنا جاءت الشبكات الافتراضية بوصفها علاجًا رقميًا لهذه الهشاشة. ويستند هذا التصور إلى مثال نشأة فيسبوك على يد طالب جامعي؛ إذ بدأ في البداية لغرض محدد، هو دعم وبناء شبكات اجتماعية داخل الجامعة، أو تعويض نقص التواصل مع الأسرة.
لكن، وبالعودة إلى الأطروحة، فإن المفارقة أراها أن المجتمعات العربية لم تكن تعيش ذلك الضعف البنيوي في الشبكات الاجتماعية. بل على العكس، تميز المجتمع العربي غالبًا بحضور شبكات حقيقية، حية، وقوية، ومتلاحمة.
وعليه، فإننا وفق هذا الطرح عمدنا إلى تبني علاج لعلة لا نملكها أصلًا. ومع ضغوط العولمة وسياقاتها المتسارعة، تحولت العلاقات الاجتماعية إلى ما يشبه الاستبدال؛ تفكيك للشبكات الاجتماعية الحقيقية الفاعلة، مقابل الانخراط في شبكات افتراضية قد تبدو أحيانًا ضعيفة أو غير قادرة على تعويض العمق الإنساني الذي توفره العلاقات المباشرة. ومن هنا تأتي النتيجة الصادمة؛ أن شبكات التواصل الافتراضية، بدل أن تعالج مشكلة غربية المنشأ، ساهمت في إضعاف علاقاتنا الأصيلة وتفكيك جانب من بنائنا الاجتماعي.
بالتالي، أصبحت المجتمعات العربية اليوم تواجه معضلة حقيقية تتمثل في تفكيك رأس المال الاجتماعي الحقيقي؛ أي العلاقات المتينة والفاعلة والواقعية التي ترتكز على الترابط والتعاضد العضوي.
وإذا اعتبرنا المجتمع الليبي دراسة حالة، نجد أن منصات التواصل الاجتماعي قد تغلغلت بعمق حتى صارت جزءًا من منظومة التفكير، وآليات بناء العلاقات، وأنماط التواصل اليومي.
وتظهر النتيجة المباشرة في تراجع التواصل الاجتماعي المباشر (الفيزيائي) مقارنةً بما كان سائدًا سابقًا. وعلى المستوى الأسري الضيق، يمكن ملاحظة ما يشبه ظاهرة الغياب داخل الحضور؛ إذ يجتمع أفراد العائلة في المكان ذاته بأجسادهم، لكن عقولهم واهتماماتهم تنتقل إلى العالم الافتراضي خلف شاشات الهواتف. وهذا الانقسام الإدراكي ينعكس مباشرة على حياتهم اليومية، فيؤدي إلى انحسار الحوار والنقاش داخل الأسرة.
ويتجسد هذا الواقع في مشهد متكرر ومألوف بالشارع الليبي:؛ ففي بداية أي لقاء أو تجمع عائلي، يكون التفاعل غالبًا محصورًا في التحيات والسلامات. ثم ما تلبث حالة الإدمان الرقمي أن تفرض حضورها؛ فيخرج كل فرد جهازه تلقائيًا، ويبدأ في التصفح، فتتراجع فرص الحديث الحي، وتتحول اللقاءات إلى تجمعات تبدو فيها الأجساد موجودة، بينما التواصل الحقيقي ينحسر.
وعلى الرغم من اختلاف حدّة هذه الظاهرة نسبيًا من أسرة إلى أخرى، فإنها أصبحت سمة بارزة في المجتمع الليبي المعاصر لا يمكن تجاهلها. كما أنها ليست سلوكًا عابرًا، بل سيرورة متدرجة تنحدر بالفرد عبر محطات ثلاث كنت صغتها سابقًا في مقال يحمل عنوان : استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإكراهات الغفلة والعفن وهبال العقل، وهي :
1. المرحلة الأولى الغفلة : تمثل العتبة الأولى للاستلاب الرقمي؛ حيث يتسلل الاستخدام تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة اليومية دون أن يلاحظ الفرد ذلك أو يستوعب أثره.
2. المرحلة الثانية التعفّن: يصبح فيها الفضاء الافتراضي هو المسيطر الفعلي على آليات التفكير واتخاذ القرار؛ فيوجّه السلوك ويحدد أنماط الحياة اليومية.
3. المرحلة الثالثة هبال العقل: وهي مرحلة الخلل الإدراكي والسلوكي؛ حيث يفقد الفرد اتزانه الاجتماعي والنفسي لصالح الانغماس في العالم الرقمي.
وبناءً على هذا التفكيك، تتأسس مفارقة تاريخية صادمة؛ فالمجتمعات العربية عند تبنيها مواقع التواصل بشكل غير نقدي وانغماسها فيها تكون قد عادت إلى معاناة المرض نفسه الذي وُجدت الشبكات الافتراضية أصلًا لعلاجه في الغرب؛ أي وهن وهشاشة شبكات العلاقات الاجتماعية الحقيقية. وهكذا استوردنا العلاج الرقمي، لكننا بنفس الوقت أصبنا بالمرض الذي كان يعانيه السياق الغربي، وخسرنا جانبًا من حصانتنا الاجتماعية الأصيلة.
وعند ربط الظاهرة بسياقها السياسي، يمكن القول إن منصات التواصل الاجتماعي أدت دورًا محوريًا في إحداث تغييرات عميقة داخل عدد من المجتمعات العربية، خصوصًا دول الحراك المجتمعي مثل ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا. وحتى دول الخليج لم تكن بمنأى عن تلك التأثيرات؛ إذ ظهرت فيها ارتدادات وتداعيات عابرة للحدود، انعكست على أنماط العلاقات والتفاعل العام
والواقع يشير إلى أن خروج أفراد المجتمع ضد الأنظمة الحاكمة لم يكن ليحظى بهذه القوة التنظيمية والتوجيه الدقيق لولا وجود شبكات التواصل الافتراضية. فقد تحولت هذه الشبكات من مجرد فضاءات للتواصل إلى ما يشبه غرف عمليات لإدارة الحراك. فمن خلالها أمكن تحديد مواعيد الخروج بدقة، مع تنسيق الرسائل وتدفق المعلومات.
وفي الحالة الليبية مثلًا، تم تداول موعد الحراك عبر هذه المنصات قبل أشهر من اندلاعه على الأرض. وينطبق الأمر بدرجات متفاوتة على بقية الدول العربية.
وبناءً على ذلك، أصبحت هذه الشبكات تعمل كآليات عابرة للمؤسسات التقليدية في مجالات التعبئة والتحشيد وتنظيم الحشود ميدانيًا. ومع استمرار هذا الأداء، انتهى الأمر إلى حراك مجتمعي واسع ساهم في انهيار أو تصدع بنية عدد من الدول العربية.
ومن منظور التحليل السوسيولوجي، يمكن صياغة فرضية حاسمة وهي؛ إن نجاح الحراك في إسقاط بعض الأنظمة وتفكيكها لم يكن ليأخذ هذه الصورة إلا بوجود المنصات الرقمية الكثيفة. وتقوم هذه الفرضية على المقاربة التالية؛ خلال مرحلة الحراك، لم تعد التعبئة تعتمد على شبكات العلاقات الاجتماعية التقليدية أو الروابط الوجاهية المعتادة؛ بل برزت روابط هجينة أفرزت شبكات اجتماعية افتراضية جديدة حلت جزئيًا أو كليًا محل الأنماط السابقة.
والمفارقة التاريخية هنا أن الأنظمة السياسية تعاملت مع الحراك باعتباره خروجًا تقليديًا للشبكات الاجتماعية المعتادة لديها، ولم تُدرك عمق التحول الذي طرأ على بنية الاتصال. ففي السابق كانت الأحداث تُنقل ببطء عبر قنوات داخلية محدودة، مثل اللقاءات والوساطات، أما في تلك المرحلة فقد صار التنسيق والحدث حتى لو بدأ في مدن مثل الزنتان أو مصراتة أو بنغازي ينتقل ويتعمم بسرعة كبيرة عبر شبكات التواصل الافتراضية العابرة للجغرافيا، وبآليات تضمن استمرار تدفق الرسائل.
وإذا تتبعنا الحالة الليبية خلال الحراك باعتبارها نموذجًا تفسيريًا، نلاحظ أن النظام واجه الأزمة بأدوات تقليدية قديمة، مثل الاجتماع الوجاهي مع القيادات الاجتماعية والقبلية، أو التواصل المباشر معها. لكنه أغفل حقيقة أن مركز الثقل والقرار والتأثير كان قد انتقل فعليًا إلى شبكات افتراضية جديدة يقودها فاعلون رقميون. وكانت هذه الشبكات بحكم سرعة الحركة وإمكانية التنظيم أكثر ديناميكية وفاعلية على الأرض من القيادات التقليدية.
ختامًا، تهدف هذه القراءة إلى تسليط الضوء على التحولات الجوهرية في ميكانيزمات وبنية المجتمعات العربية بفعل الانغماس في المنصات الرقمية. فقد صارت هذه المنصات جزءًا حيويًا وموجّهًا لمنظومة المجتمع، ومع أنها مارست تأثيرًا سلبيًا وقاسيًا على العلاقات الاجتماعية التقليدية بما يؤدي إلى وهنها وهشاشتها وتفكك روابطها، فإن هذا التفكك بإحلال الشبكات الافتراضية محل العلاقات الواقعية كان أيضًا من العوامل الأبرز التي ساهمت في إشعال التغيير السياسي المتسارع في عدد من الدول العربية. وتبقى اليوم تداعيات هذا التحول مستمرة ومتداخلة حتى بعد انتهاء مراحل الحراك الأولى.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |