|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

احمد كانون
2026 / 6 / 20
:
سؤال بسيط: إذا كنت تبحث عن وظيفة أحلامك اليوم، فمن سيجلبها لك؟ غريزتك الأولى ستقول: أخي، ابن عمي، أو صديق عمري. لكن في عام 1973، ألقى عالم الاجتماع مارك جرانوفيتر قنبلته المعرفية في وجه الجميع بورقته الشهيرة "قوة الروابط الضعيفة". قال جرانوفيتر ببساطة: الفرص الكبرى، الوظائف النوعية، والقفزات في الحياة لا تأتي غالباً من الدائرة المغلقة التي تشرب معها القهوة كل صباح، بل تأتي من ذلك الزميل القديم الذي بالكاد تذكره، أو من شخص قابلته صدفة في مؤتمر، أو صديقِ صديقٍ لا تعرفه جيداً.
لماذا إذن تظل هذه "الروابط الضعيفة" هي محرك التغيير ومفتاح الكنز، بينما نظل نحن متمسكين بخيمة القبيلة؟ لفهم هذه اللعبة، دعونا نفكك الحكاية عبر أربع محطات، وبأمثلة.
نحن مبرمجون بيولوجياً على "الاصطفاء القرابي"؛ أن تحمي ابن عمك لتضمن استمرار جيناتك. في عصور الجوع والصيد، كانت القبيلة هي بوليصة التأمين الوحيدة. لكن الطبيعة نفسها تكره الانغلاق.
مثال الجينات: انظر إلى سلالة "هابسبورغ" الملكية في أوروبا؛ من شدة انغلاقهم وتزاوجهم من بعضهم البعض للحفاظ على "نقاء الدم"، انتهى بهم الأمر بتشوهات خلقية وأمراض وراثية دمرت السلالة. في المقابل، الزواج من خارج القبيلة (رابط ضعيف) هو "الطفرة" التي تجدد دماء النسل.
مثال قريش: لم تصبح مكة مركزاً للجزيرة العربية لأن أهلها جلسوا يتسامرون في مضاربهم. قوتهم الحقيقية جاءت من رحلتي الشتاء والصيف؛ من احتكاكهم بتجار الشام واليمن (روابط ضعيفة وعابرة). هذا الاحتكاك هو الذي جلب الثروة، والأخبار، وتلاقح الأفكار.
الروابط القوية (العائلة والأصدقاء المقربون) دافئة، لكنها تأتي بفاتورة باهظة تُسمى "تكاليف الالتزام". أهلك يضعونك في قالب تاريخي لا فكاك منه.
مثال ابن العائلة: تخيل أنك عُرفت في عائلتك منذ طفولتك بأنك "الولد المشتت غير المسؤول". حتى لو أصبحت في الثلاثينيات مديراً ناجحاً، ستظل العائلة تعاملك بتلك النظرة القديمة. هنا يأتي دور الروابط الضعيفة؛ فشخص تلتقي به في رحلة قطار أو ندوة ثقافية لا يعرف تاريخك، ولن يحاكمك على ماضيك. سيسمح لك هذا "الغريب" بإعادة اختراع نفسك وتقديمها بنسختها الجديدة. الروابط الضعيفة تمنحنا "تهوية نفسية" بعيداً عن رقابة العشيرة.
في علم الشبكات، الدوائر المغلقة لا تُنتج معرفة جديدة. إنهم يتبادلون نفس المعلومات مراراً وتكراراً.
مثال "جروب العائلة" على واتساب: الجميع هناك يشارك نفس الأخبار، ونفس النكات، ونفس القناعات السياسية والدينية. إذا بقيت هناك طويلاً، ستصاب بـ "العمى المعرفي".
مثال الجسر: زميلك السابق الذي يعمل الآن في قطاع التكنولوجيا (رابط ضعيف) هو "الجسر" الذي قد يخبرك عن تطبيق جديد أو فرصة استثمارية لم تخطر على بال أفراد عائلتك.
لكن احذر (فخ الطبقية): كما نبهنا عالم الاجتماع بيير بورديو، الروابط الضعيفة ليست بريئة تماماً. في نوادي الجولف وحفلات العشاء الفاخرة، يتبادل الأثرياء والمدراء "روابط ضعيفة" فيما بينهم (صفقات عابرة، توصيات سريعة). هذه الشبكات تعمل كجدار عازل يبقي الطبقات الفقيرة في الأسفل، لأن الفقير ببساطة لا يملك تذكرة الدخول لتأسيس هذه الروابط الضعيفة من الأساس.
في عصر الرأسمالية السريعة، أصبحت منصات مثل (لينكد إن) هي سوق عكاظ للروابط الضعيفة. الكل يبني شبكات علاقات سطحية ليتصيد الفرص. هذا رائع في أوقات الرخاء، ولكن ماذا يحدث عندما تقع الكارثة؟
مثال جائحة كورونا أو الحروب: عندما انهار الاقتصاد وأُغلقت المدن، كم شخصاً من "جهات اتصالك الـ 500" على لينكد إن اتصل ليطمئن على ثلاجتك إن كانت فارغة؟ لا أحد. في الأزمات الكبرى، تنقطع خيوط العنكبوت الرقيقة، ونعود جميعاً زحفاً إلى ملاذنا الأول: القبيلة، الأم، الأخ، والصديق الذي يقرضك ماله دون إيصال. العائلة تصبح قفصاً فقط إذا أغلقت كل أبوابها، لكنها تظل الحصن الأخير حين يحترق العالم بالخارج.
إن الحياة يا اصدقاء لا تُعاش بـ "إما، أو". الروابط القوية هي "الكتلة"؛ هي الجذور التي تمنعك من السقوط في مهب الريح. والروابط الضعيفة هي "الطاقة"؛ هي الأجنحة التي تحمل لك حبوب اللقاح من بساتين أخرى لكي لا تتعفن في مكانك.
العبقري اليوم ليس من يتمرد على عائلته وقبيلته ليذوب في زحام الغرباء، ولا هو من يغلق بابه ويكتفي بأبناء عمومته. العبقري هو من ينسج ثوباً بخيوط سميكة (للدفء والحماية) وخيوط رقيقة (للتهوية والأناقة). خذ الأمان من جذورك، واقطف الفرص من أطراف أغصانك الممتدة نحو المجهول.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |